أين وردت القصة
تتحدث سورة الفتح عن أحداث الحديبية وما بعدها. وأطول رواية في ذلك حديث المسور بن مخرمة ومروان في صحيح البخاري (2731–2732). وفي صحيح البخاري 4154 يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال لهم يومئذ إنهم خير أهل الأرض، وكانوا ألفًا وأربعمائة.
صدٌّ عن البيت في الطريق
خرج النبي ﷺ مع أصحابه معتمرًا لا مقاتلًا. وفي الطريق علم أن خالد بن الوليد مع خيل لقريش، فسلك طريقًا آخر. ثم بركت ناقته القصواء ولم تتحرك. فقال الناس إنها حرنت، لكن النبي ﷺ قال إن ذلك ليس من خُلقها، وإنما حبسها الذي حبس الفيل. وقال إنهم لا يسألونه خطة يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطاهم إياها.
ونزل في أقصى الحديبية حيث الماء قليل. فلما اشتكى الناس العطش أخرج سهمًا من كنانته وأمرهم أن يضعوه في البئر، فما زال الماء يفيض لهم حتى ارتووا جميعًا. ثم جاء رسل بين النبي ﷺ وقريش. ومنهم عروة بن مسعود الذي رأى تعظيم الصحابة للنبي ﷺ، فقال لقومه إنه لم يرَ ملكًا يعظّمه أصحابه كما يعظّم أصحاب محمد ﷺ محمدًا.
بنود الصلح وأسئلة عمر
جاء سهيل بن عمرو من قريش ليكتب الصلح. فأمر النبي ﷺ الكاتب أن يبدأ بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، فاعترض سهيل وطلب أن يُكتب «باسمك اللهم»، فوافق النبي ﷺ. ولما كُتب «محمد رسول الله» اعترض سهيل كذلك، فأمر النبي ﷺ أن يُكتب «محمد بن عبد الله»، وقال إنه رسول الله حقًّا وإن كذّبوه.
وكانت الشروط كما في الحديث أن لا يدخل المسلمون مكة ذلك العام ويعودوا في العام المقبل للطواف بالبيت، وأن من أتى النبي ﷺ من قريش يُردّ إليهم ولو كان مسلمًا. وكان ذلك شاقًّا على المسلمين. وفي أثناء الكتابة جاء أبو جندل، وهو مسلم عُذّب في سبيل الله، يجرّ قيوده، وطلب سهيل أن يُرَدّ إليه.
فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى النبي ﷺ فسأله: ألست نبي الله حقًّا؟ ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فلِمَ نعطي الدنيّة في ديننا؟ فأجابه النبي ﷺ بأنه رسول الله، ولن يعصيه، وهو ناصره. وسأل عمر أبا بكر رضي الله عنه فأجابه بمثل ذلك. وقال عمر بعد ذلك إنه عمل أعمالًا صالحة بسبب ما قاله.
انحروا ثم احلقوا
فلما فرغ من كتابة الصلح قال النبي ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. فما قام منهم أحد حتى كرّر ذلك ثلاث مرات. فدخل على أم سلمة رضي الله عنها وأخبرها. فأشارت عليه أن يخرج ولا يكلّم أحدًا حتى ينحر هديه ويدعو حالقه فيحلق رأسه. ففعل، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وحلق بعضهم بعضًا، وقد بلغ بهم الغمّ حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا، كما قال الراوي.
ما تقوله سورة الفتح
تفتتح السورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًۭا مُّبِينًۭا﴾. وتذكر الآية 4 أن الله أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا. وتقول الآية 18: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا.
وتذكّر الآيات 24 إلى 26 بأن الله كفّ أيدي الفريقين ببطن مكة، وأن في مكة رجالًا مؤمنين ونساء مؤمنات لم يكن المسلمون يعلمونهم، فكان في الدخول عنوة ضرر عليهم. وتصف الآية 26 حميّة الجاهلية عند الكافرين، وسكينة الله على رسوله وعلى المؤمنين. وفي الآية 27 يؤكد الله رؤيا نبيه ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ محلّقين رؤوسكم ومقصّرين لا تخافون، وأنه علم ما لم يعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا.
وروى عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له في سفر إنه أُنزلت عليه الليلة سورة هي أحب إليه مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًۭا مُّبِينًۭا﴾ (صحيح البخاري 4177). ويفسّر كثير من المفسرين الفتح المبين بصلح الحديبية نفسه، والفتح القريب في الآيتين 18 و27 بما تلاه قريبًا. وقد سمّاه القرآن فتحًا قبل فتح مكة.
ما لم تذكره المصادر هنا
لا يذكر القرآن تفاصيل المفاوضات ولا أسماء الرسل ولا مدة الهدنة. وقد اقتصرنا على ما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة المذكورة أعلاه.
العبر من هذه القصة
- ما يبدو خسارة في لحظته قد يكون فتحًا في تدبير الله. فقد سمّى القرآن الحديبية فتحًا مبينًا وكثير من الصحابة رأوا شروطه ثقيلة.
- حكمة الله أوسع من فهمنا. كانت أسئلة عمر صادقة، وأجابه النبي ﷺ بصبر وثقة بوعد الله.
- الصلح وتعظيم حرمات الله قد يفتحان أبوابًا لا يفتحها القتال. فقد كان النبي ﷺ مستعدًا لقبول كل خطة معقولة تعظّم تلك الحرمات.
- السكينة نعمة من الله في قلوب المؤمنين، كما في الآيتين 4 و26 من سورة الفتح.
- الاستشارة وأخذ الرأي من أهل الفضل من السنة. وقد أعانت مشورة أم سلمة النبي ﷺ في لحظة صعبة.
- الطاعة للرسول ﷺ وإن خفيت الحكمة دليل إيمان. وقد أثنى الله على أصحاب بيعة الشجرة في الآية 18.
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.
المصادر
- القرآن 48:1-29 (سورة الفتح)
- صحيح البخاري 2731
- صحيح البخاري 4154
- صحيح البخاري 4177