أين وردت القصة

الخبر الأساسي في سورة الأحزاب، من الآية 9 إلى الآية 27، وقد سُمّيت السورة بهذا الاسم نسبةً إلى الأحزاب، أي الجماعات التي تحالفت على قتال المدينة. وتبدأ الآية 9 بتذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم.

وتأتي التفاصيل الأخرى من الأحاديث الصحيحة في صحيح البخاري (4098–4106) وصحيح مسلم (1803–1805)، وفيها وصف حفر الخندق وشدة تلك الأيام.

الأحزاب والخندق

معنى الآية 9 أن جنودًا جاؤوا لقتال المؤمنين، فأرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم يرها المؤمنون. وتذكر الآية 10 أن العدو جاءهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وأن الأبصار مالت من الفزع، وأن ﴿وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ﴾، وأن بعض الناس ظنّوا بالله الظنون.

وتخبرنا الأحاديث كيف استعدّ المسلمون. فقد حفر المهاجرون والأنصار الخندق حول المدينة، وكانوا ينقلون التراب على ظهورهم، كما في صحيح البخاري 4100. وفي صحيح البخاري 4098 وصحيح مسلم 1804 يروي سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان معهم وهم يحفرون.

وعملوا وهم جائعون متعبون. قال البراء رضي الله عنه إن التراب غطّى بطن النبي ﷺ وهو ينقل التراب معهم. وكان يردّد أبياتًا تقول إنه لولا الله ما اهتدوا، ويسأل الله أن ينزل السكينة عليهم ويثبّت أقدامهم (صحيح البخاري 4106، وصحيح مسلم 1803). وقال الصحابة أبياتًا في عهدهم على الثبات، فأجابهم النبي ﷺ بدعاء للمهاجرين والأنصار (صحيح البخاري 4100، وصحيح مسلم 1805).

الجوع والصخرة والطعام المبارك

روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن صخرة شديدة الصلابة اعترضت الحفر، فقال النبي ﷺ إنه سينزل إليها. وقام وقد شدّ على بطنه حجرًا، وكانوا قد مكثوا ثلاثة أيام لا يذوقون طعامًا. ثم أخذ المعول فضرب الصخرة فعادت رملًا مفتّتًا (صحيح البخاري 4101).

ورأى جابر ما بالنبي ﷺ من الجوع، فرجع إلى بيته، وصنع هو وزوجه طعامًا قليلًا من عَناق وصاع من شعير. ودعا النبي ﷺ ومعه نفرًا يسيرًا، لكن النبي ﷺ نادى أهل الخندق كلهم، وكانوا نحو ألف. ويقسم جابر في الحديث أنهم أكلوا جميعًا حتى تركوا الطعام وانصرفوا، وأن القدر ظلّت تغلي كما هي والعجين يُخبز كما هو (صحيح البخاري 4102).

الخوف والشك والإيمان

يصف القرآن نوعين من ردود الفعل. ففي الآيات 12 إلى 20 قال المنافقون والذين في قلوبهم مرض إن الله ورسوله ما وعدا إلا غرورًا. واستأذن بعضهم النبي ﷺ في الرجوع بحجة أن بيوتهم مكشوفة، وبيّن القرآن أنهم لا يريدون إلا الفرار. وتذكر الآية 11 أن المؤمنين ابتُلوا وزُلزلوا زلزالًا شديدًا.

وفي المقابل تقول الآية 22 إن المؤمنين لما رأوا الأحزاب ﴿قَالُوا۟ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾، وإن ذلك لم يزدهم إلا إيمانًا وتسليمًا. وتثني الآية 23 على رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

وفي الآية 21 يخبرنا الله أن ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ﴾ لمن يرجو الله واليوم الآخر ويذكر الله كثيرًا. وتُظهر الأحاديث هذه الأسوة عمليًا، فقد عمل النبي ﷺ بجانب أصحابه، وشاركهم الجوع، ودعا لهم. وفي صحيح البخاري 4115 دعا على الأحزاب أن يهزمهم الله ويزلزلهم.

كيف انتهت الغزوة

تقول الآية 25 إن الله ردّ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وكفى المؤمنين القتال. وقال النبي ﷺ إنه نُصر بالصَّبا، وإن عادًا أُهلكت بالدَّبور (صحيح البخاري 4105). ولما انصرفت الأحزاب قال إنهم بعد ذلك يغزونهم ولا يغزونهم هم، وإنهم سيسيرون إليهم (صحيح البخاري 4110).

ثم تتحدث الآيتان 26 و27 عن بني قريظة، وهم من أهل الكتاب الذين عاونوا الأحزاب. ومعنى الآيتين أن الله أنزلهم من حصونهم وألقى في قلوبهم الرعب، فقُتل فريق وأُسر فريق. وفي صحيح البخاري 3043 أنهم نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، وأن النبي ﷺ قال له إنه حكم فيهم بحكم الملك، أي الله.

ما لم تذكره المصادر

لا يذكر القرآن عدد الجيوش ولا أسماء الجماعات ولا مدة الحصار ولا موضع الخندق على وجه الدقة. وقد تذكر بعض الكتب المتأخرة أرقامًا في ذلك، وهي ليست في الآيات التي اعتمدنا عليها هنا، فلا نذكرها على أنها حقائق قاطعة.

وتركنا كذلك ما يُروى عمّن اقترح فكرة الخندق أول مرة، لأننا لم نجده في الأحاديث الصحيحة التي راجعناها هنا. وقد اقتصرنا على ما نصّ عليه القرآن وصحيح السنة بوضوح.

العبر من هذه القصة

  • الشدائد تكشف القلوب. فالحصار نفسه أورث بعض الناس شكًّا، وزاد آخرين إيمانًا، كما في الآيتين 12 و22 من سورة الأحزاب.
  • النبي ﷺ قدوة حسنة في العبادة وفي أيام الشدة أيضًا، فقد حفر ونقل التراب وجاع ودعا مع أصحابه.
  • الأخذ بالأسباب والتوكل على الله يجتمعان. فقد حفر المسلمون الخندق بأيديهم، وأرسل الله الريح والجنود التي لم يروها.
  • قد يأتي نصر الله من حيث لا يتوقع الناس. وفي الآية 9 ذكر لريح وجنود لم يرها المؤمنون.
  • الإيمان يزداد بالابتلاء. فلما رأى المؤمنون الأحزاب لم يزدهم ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا.
  • الوفاء بالعهد مع الله علامة صدق، كما وصف القرآن الرجال الصادقين في الآية 23.

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر