أين وردت القصة وما خلفيتها

ذكرت الآية 123 من سورة آل عمران بدرًا باسمها، فقالت: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ». أما سورة الأنفال ففي آياتها من 5 إلى 19 كثير من خبرها.

وروى كعب بن مالك رضي الله عنه في صحيح البخاري (3951) أن النبي ﷺ خرج يريد عير قريش، «حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ». ولم يُعاتَب أحد ممن تخلف عنها.

وتصف الآيات 5–7 من الأنفال حال القوم: فريق من المؤمنين كارهون للخروج، وقد وعدهم الله إحدى الطائفتين، وكانوا يودون أن تكون غير ذات الشوكة، أي العير. «وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ».

الجيشان

لم يذكر القرآن عدد الجيشين، لكن الحديث ذكره. ففي رواية عمر رضي الله عنه في صحيح مسلم (1763) كان المشركون ألفًا، وكان أصحاب النبي ﷺ ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا. وقال البراء رضي الله عنه في صحيح البخاري (3959) إن أصحاب بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، بعدة أصحاب طالوت. وتذكر كتب السيرة غالبًا نحو 313، فالأسلم أن يقال: نحو ثلاثمائة وعشرة فأكثر.

ولم يحدد القرآن اليوم بدقة. وكانت الغزوة في رمضان من السنة الثانية للهجرة، واختلف المؤرخون في اليوم، ويكثر ذكر السابع عشر.

دعاء النبي ﷺ

روى عمر رضي الله عنه في صحيح مسلم (1763) أن النبي ﷺ لما نظر إلى المشركين وإلى أصحابه استقبل القبلة ومدّ يديه وجعل يهتف بربه: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ».

ولم يزل يهتف بربه مادًّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فأخذ رداءه وألقاه على منكبيه، والتزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله في سورة الأنفال: «إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ» (الآية 9).

نصر الله

وتقول الآية 10 من الأنفال إن الله ما جعل ذلك إلا بشرى ولتطمئن به القلوب، وإن النصر من عند الله. وتذكر الآية 11 أنه غشّاهم النعاس أمنة منه، وأنزل عليهم من السماء ماءً ليطهّرهم به ويذهب عنهم وسوسة الشيطان ويربط على قلوبهم ويثبّت به الأقدام. وفي الآية 12 يخاطب الله الملائكة بأنه معهم، وأن يثبّتوا الذين آمنوا.

وتتحدث آيات آل عمران 124–126 كذلك عن المدد بثلاثة آلاف من الملائكة ثم بخمسة آلاف، بشرط الصبر والتقوى. واختلف العلماء: هل قيلت هذه الآيات في بدر أم في أحد؟ لكن الآية التي قبلها تتحدث عن بدر. وهنا أيضًا يقول القرآن إن ذلك بشرى فقط، وإن النصر من عند الله.

وفي صحيح مسلم (1763) روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا من المسلمين كان يطارد رجلًا من المشركين، فسمع فوقه ضربة بسوط وصوت فارس يقول: أقدم حَيزوم. فخرّ المشرك مستلقيًا، فنظر إليه فإذا وجهه قد شُقّ كضربة السوط. فلما حدّث الأنصاري النبي ﷺ بذلك قال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة.

وتقول الآية 17: «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ». ويذكر بعض المفسرين أن ذلك في حفنة من تراب رماها النبي ﷺ نحو العدو. وجاء في رواية مسلم نفسها أن المسلمين قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين. وتأمر الآيتان 15–16 المؤمنين ألا يولّوا الكفار الأدبار إذا لقوهم زحفًا.

ما لم يذكره القرآن وفضل أهل بدر

لم يذكر القرآن أعداد المسلمين ولا المشركين، ولا اليوم على وجه التحديد، ولا أسماء أكثر المقاتلين، ولم يصف كيف قاتلت الملائكة غير ما سبق. وينبغي ألا نضيف تفاصيل من قصص ضعيفة.

ولأهل بدر مكانة خاصة. ففي صحيح البخاري (3007) قال النبي ﷺ عن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وكان قد شهد بدرًا: «لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». وفسّر العلماء ذلك بأنه بشارة عظيمة لهم بالمغفرة، وليس إذنًا بمعصية الله.

العبر من هذه القصة

  • النصر من عند الله وحده. وقد أكدت ذلك آيتا الأنفال 10 وآل عمران 126، فعلى المؤمن أن يأخذ بالأسباب ثم يتوكل عليه.
  • ادعُ الله بتواضع حتى مع وعده سبحانه. فقد ألحّ النبي ﷺ في الدعاء حتى سقط رداؤه، وأجاب الله دعاءه.
  • تدبير الله قد يكون أفضل من تدبيرنا. فقد أراد المؤمنون العير، لكن الله جمعهم بعدوهم في لقاء فاصل أظهر الله به الحق (الأنفال: 7).
  • السكينة والثبات من عند الله. فقد أنزل النعاس والمطر ليطمئن القلوب ويثبّت الأقدام (الأنفال: 11).
  • الله يكرم الجهد المخلص. فقد جعل لأهل بدر مكانة خاصة وبشّرهم بالمغفرة.

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر