أين وردت القصة وما خلفيتها

تذكّر الآية 40 من سورة التوبة المؤمنين بأن الله نصر نبيه ﷺ حين أخرجه الذين كفروا: «ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ»، حين قال لصاحبه: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا». وفي الآية 30 من سورة الأنفال يذكر الله أن الكافرين مكروا بالنبي ﷺ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، ثم يقول: «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ». ولا يفصّل القرآن كيف جرى هذا المكر.

وتفاصيل القصة جاءت في الحديث. ففي رواية عائشة رضي الله عنها الطويلة في صحيح البخاري (3905) أن النبي ﷺ قال للمسلمين إنه أُري دار هجرتهم، أرضًا ذات نخل بين حرّتين، فهاجر كثير منهم إلى المدينة. وتجهّز أبو بكر رضي الله عنه للخروج، فطلب منه النبي ﷺ أن يتمهّل لأنه يرجو أن يؤذن له. فحبس أبو بكر نفسه ليصحبه، وعلف راحلتين عنده أربعة أشهر.

قرار الخروج

في ساعة الظهيرة أتى النبي ﷺ بيت أبي بكر في وقت لم يكن يأتيهم فيه، فطلب أن يخلو به، وأخبره أنه أُذن له في الخروج. فسأل أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: نعم.

وعرض أبو بكر إحدى راحلتيه، فأبى النبي ﷺ إلا أن يكون ذلك بثمن. وجهّز أهل البيت الزاد في جِراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قطعة من نطاقها وربطت بها فم الجراب، فسُمّيت ذات النطاقين.

في الغار

ثم لحق النبي ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال. وكان عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه، وهو شاب فطن سريع الفهم، يبيت عندهما، ثم يخرج قبل الفجر فيصبح بين قريش في مكة كأنه بات فيها، فلا يسمع أمرًا يدبّرونه لهما إلا حفظه، ثم يأتيهما به عند اشتداد الظلام. وكان عامر بن فهيرة رضي الله عنه، مولى أبي بكر، يرعى غنمًا قريبًا منهما، فيأتيهما بلبنها في أول الليل.

وقال أبو بكر في رواية البخاري (3653) إنه قال للنبي ﷺ وهما في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال النبي ﷺ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا».

وهذا هو المقام الذي تصفه الآية: «فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا».

الطريق إلى المدينة

وكانا قد استأجرا رجلًا من بني الديل دليلًا ماهرًا بالطرق، وكان على دين كفار قريش لكنهما أمناه. فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فلما جاء انطلق بهما مع عامر بن فهيرة على طريق الساحل.

وروى سراقة بن مالك ما جرى له (صحيح البخاري 3906): جعلت قريش لمن قتل النبي ﷺ أو أبا بكر أو أسره دية كل منهما. فخرج سراقة في أثرهما، فعثرت به فرسه، ثم ساخت يداها في الأرض إلى الركبتين. وذكر أن النبي ﷺ كان يقرأ ولا يلتفت، وأن أبا بكر كان يكثر الالتفات. فنادى سراقة بالأمان، ووقع في نفسه أن أمر النبي ﷺ سيظهر. وأخبرهما بما تريد قريش بهما، وعرض عليهما الزاد والمتاع، فلم يأخذا منه شيئًا ولم يطلبا منه إلا أن يخفي أمرهما. وسأل النبي ﷺ أن يكتب له كتاب أمان، فأمر عامر بن فهيرة فكتب له في قطعة من جلد.

وفي الطريق لقي النبي ﷺ الزبير رضي الله عنه في ركب من المسلمين تجّارًا عائدين من الشام، فكسا الزبير النبي ﷺ وأبا بكر ثياب بياض.

قباء والمدينة

وكان المسلمون في المدينة يخرجون كل صباح إلى الحرّة ينتظرونه حتى يردّهم حرّ الظهيرة. وفي يوم رأى رجل من اليهود، وهو على حصن من حصونهم، النبي ﷺ وأصحابه في ثياب بيض، فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا حظّكم الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح للقائه.

ونزل النبي ﷺ على بني عمرو بن عوف في قباء، يوم الاثنين من شهر ربيع الأول. وقام أبو بكر للناس يستقبلهم، وجلس النبي ﷺ صامتًا. فلما أصابت الشمس النبي ﷺ أقبل أبو بكر فظلّله بردائه، فعرف الناس عندها رسول الله ﷺ. ولبث فيهم أكثر من عشر ليال، وأُسّس المسجد الذي وصفه الحديث بأنه أُسّس على التقوى.

ثم ركب راحلته فبركت عند موضع لتجفيف التمر لغلامين يتيمين، فقال: هذا إن شاء الله المنزل. وساوم الغلامين على شرائه ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. ثم بناه مسجدًا، وطفق ينقل اللبن معهم.

ما لا تذكره المصادر وما قاله العلماء

لم يسمّ القرآن الصاحب في الغار، لكن الحديث يبيّن أنه أبو بكر. أما الرواية الصحيحة التي اعتمدنا عليها فلا تسمّي الدليل، وإنما تذكر قبيلته ومهارته، ولذلك لا نضيف هنا اسمًا.

وتُروى في كتب السيرة المتأخرة أخبار عن نسج العنكبوت على فم الغار وعن حمامة، وهي ليست في القرآن ولا في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم. وقد اختلف العلماء في قوتها، ويرى كثير منهم ضعفها، ولذلك لا نعتمد عليها هنا.

وربط بعض المفسرين بين الهجرة وبين قوله تعالى في سورة القصص: «إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍۢ»، وفسّر ابن عباس «المعاد» بأنه مكة.

العبر من هذه القصة

  • تأتي نصرة الله للقلب الواثق به. ففي الغار قال النبي ﷺ لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله عليه سكينته (التوبة: 40).
  • التوكل على الله لا يلغي الأخذ بالأسباب. فقد جمعت القصة بين التخطيط: الزاد والراحلتان والدليل والأخبار من مكة واللبن من الغنم، وبين اليقين الراسخ بالله.
  • شارك في الهجرة أشخاص كثيرون، لكل منهم دوره: أبو بكر وعائشة وأسماء وعبد الله وعامر. فللأعمال الصغيرة من الوفاء والتضحية قيمتها.
  • الصاحب الصادق يهتم بصاحبه أكثر من اهتمامه بنفسه. فقد كان خوف أبي بكر على النبي ﷺ، وكان قد أعدّ راحلتيه منذ شهور.
  • المكر لا يغلب تدبير الله. فقد قال سبحانه: «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ» (الأنفال: 30).

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر