أين وردت القصة ولماذا سافر موسى

وردت القصة في سورة الكهف من الآية 60 إلى الآية 82، وهي إحدى أربع قصص في السورة. تبدأ بقول موسى عليه السلام لفتاه إنه لن يتوقف عن السير حتى يبلغ مجمع البحرين، ولو مضى في ذلك زمنًا طويلًا.

وسبب الرحلة بيّنه حديث صحيح رواه أُبيّ بن كعب رضي الله عنه في صحيح البخاري: قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فسُئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، وأخبره أن عبدًا من عباده بمجمع البحرين هو أعلم منه. فسأل موسى كيف يصل إليه.

وفي الرواية نفسها بيّن ابن عباس رضي الله عنهما أن صاحب هذه القصة هو موسى نبيّ بني إسرائيل، وليس رجلًا آخر يحمل الاسم نفسه.

الرحلة والحوت المفقود

تذكر الآيات 60–64 أن موسى وفتاه حملا معهما حوتًا. فلما بلغا مجمع البحرين نسيا حوتهما، فاتخذ الحوت طريقه في البحر. ثم جاوزا المكان، فطلب موسى طعام الغداء وقال إن سفرهما هذا أتعبهما.

فأخبره فتاه أنه نسي الحوت عند الصخرة، وما أنساه ذلك إلا الشيطان، وأن الحوت اتخذ سبيله في البحر على نحو عجيب. فقال موسى إن هذا هو ما كانا يطلبانه، فرجعا يتتبعان أثر خطاهما.

وزاد الحديث تفاصيل: فتى موسى هو يوشع بن نون، وكان الحوت في مِكتل (وعاء)، وقد أُخبر موسى أن الموضع الذي يفقد فيه الحوت هو موضع اللقاء. فلما نام موسى عند الصخرة اضطرب الحوت وسقط في البحر، وأمسك الله عنه جريان الماء فصار كالقوس المعقود. وذكر الحديث أن موسى لم يشعر بالتعب حتى جاوز المكان الذي أُمر بالوصول إليه.

لقاء عبد من عباد الله

وجدا عند الصخرة عبدًا وصفه القرآن بقوله: «عَبْدًۭا مِّنْ عِبَادِنَآ»، آتاه الله رحمة من عنده وعلّمه من لدنه علمًا (الكهف: 65). ولم يذكر القرآن اسمه.

واسم الخضر جاء في الحديث الصحيح، إذ قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ» رواه البخاري. وفسّر العلماء الفروة بأنها أرض يابسة أو قطعة من فراء.

سلّم موسى عليه السلام عليه فردّ السلام، ثم سأله: هل أتبعك على أن تعلّمني مما عُلّمت رشدًا؟ فأجابه الخضر بأنه لن يستطيع معه صبرًا، فكيف يصبر على ما لم يحط به خبرًا؟ وفي الحديث أنه بيّن أن لكل منهما علمًا من علم الله لا يعلمه الآخر.

فقال موسى: «سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًۭا»، فاشترط عليه الخضر ألا يسأله عن شيء حتى يذكره له هو (الكهف: 69–70).

الأحداث الثلاثة

انطلقا فوقعت ثلاثة أحداث، لم يستطع موسى في كل منها أن يمسك اعتراضه.

  • السفينة: ركبا سفينة فأتلفها الخضر (وفي الحديث أنه نزع لوحًا منها، وكان أهلها قد حملوهما بغير أجر). فقال موسى: أخرقتها لتُغرق أهلها؟ فذكّره الخضر بالشرط، فاعتذر موسى بنسيانه وطلب ألا يؤاخذه (الكهف: 71–73).
  • الغلام: ثم لقيا غلامًا فقتله الخضر، فأنكر موسى قتل نفس بريئة لم تقتل أحدًا. فذكّره الخضر مرة أخرى، فقال موسى: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصحبني (الكهف: 74–76).
  • الجدار: ثم أتيا أهل قرية فطلبا منهم الطعام فأبوا أن يضيّفوهما، فوجدا فيها جدارًا يوشك أن يسقط فأقامه الخضر. فقال موسى: لو شئت لأخذت على ذلك أجرًا. فقال الخضر: هذا فراق بيني وبينك، وسأخبرك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا (الكهف: 77–78).

تأويل ما لم يستطع موسى عليه السلام الصبر عليه

بيّن الخضر أسباب ما فعل في الآيات 79–82:

  • السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا، فأراد الخضر أن يجعلها معيبة.
  • الغلام كان أبواه مؤمنين، وخشي الخضر أن يُحمّلهما طغيانًا وكفرًا، فكان المراد أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحمة.
  • الجدار كان لغلامين يتيمين في المدينة، وتحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحًا، فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك.

وختم الخضر كلامه بقوله: «وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى». ولاحظ بعض المفسرين اختلاف الضمير في هذه الآيات: ففي إعابة السفينة قال «فأردت»، وفي الغلام «فأردنا»، وفي رحمة الكنز «فأراد ربك».

ما لم يذكره القرآن وما قاله العلماء

لم يذكر القرآن اسم هذا العبد الصالح، ولا موضع مجمع البحرين، ولا اسم القرية ولا الملك ولا الغلام ولا أصحاب السفينة. وللعلماء أقوال كثيرة في تعيين المكان، لكن النص لا يثبت شيئًا منها، فالأسلم ترك التعيين.

ولم يصرّح القرآن بنبوة الخضر. فذهب كثير من العلماء إلى أنه نبي، واستدلوا بقوله: «وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى»، أي أنه فعل ما فعل بوحي من الله. وقال آخرون إنه عبد صالح آتاه الله علمًا خاصًا. والخلاف قديم، والنص لا يحسمه.

وقال النبي ﷺ إنه كان يتمنى لو صبر موسى حتى يقصّ الله علينا مزيدًا من خبرهما (صحيح البخاري 3401). وفي الحديث نفسه أن عصفورًا نقر من البحر نقرة، فقال الخضر لموسى: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر.

العبر من هذه القصة

  • للعلم حدود، فحتى رسول كريم مثل موسى عليه السلام أُخبر أن عند عبد آخر لله ما ليس عنده، فينبغي لكل طالب علم ومعلّم أن يتواضع.
  • رُدّ العلم إلى الله. فقد عُتب على موسى أنه لم يردّه إليه، وهذا يعلّمنا أن نقول عند الحاجة: الله أعلم.
  • طلب العلم يحتاج إلى بذل وأدب وصبر. فقد سافر موسى مسافة بعيدة، وسأل بلطف أن يتبعه، ووعد بالصبر.
  • لا تحكم على الأحداث بظاهرها وحده. فقد يكون في الضرر رحمة، كالسفينة التي نجت من الملك، والأبوين اللذين عُوّضا بولد خير، والكنز الذي حُفظ لليتيمين.
  • ثق بحكمة الله حين يبدو لك أمر غير عادل. فعدم معرفتك السبب الآن لا يعني أنه لا سبب.
  • صلاح الوالد قد ينفع ذريته، فقد حُفظ الكنز لليتيمين لأن أباهما كان صالحًا (الكهف: 82).

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر