أين ذُكرت القصة
جاءت قصة إبراهيم عليه السلام مع النار في سورة الأنبياء (21:51-70). وتُكمل سور أخرى جوانب منها: ففي سورة الأنعام (6:74-83) حواره مع قومه، وفي سورة مريم (19:41-48) كلامه اللطيف مع أبيه، وفي سورة العنكبوت (29:16-27) وسورة الصافات (37:83-98) تكرار لأهم أحداثها.
ويقدّمه القرآن بأن الله آتاه رشده من قبل وكان به عالمًا (21:51)، وتصفه سورة مريم بأنه كان صدّيقًا نبيًّا (19:41).
دعوته لقومه
سأل إبراهيم عليه السلام أباه وقومه عن هذه التماثيل التي هم لها عاكفون، فلم يزيدوا على أن قالوا إنهم وجدوا آباءهم لها عابدين. فبيّن لهم أنهم وآباءهم في ضلال واضح (21:52-54). ولما سألوه أجادٌّ هو أم لاعب، قال إن ربهم هو ربّ السماوات والأرض الذي خلقهن (21:55-56).
وتُظهر سورة مريم رفقه بأبيه. فقد سأله لماذا يعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئًا، وقال له إنه جاءه من العلم ما لم يأته، ودعاه إلى صراط سويّ (19:42-43). فهدّده أبوه بالرجم وأمره أن يهجره زمنًا طويلًا. فردّ إبراهيم بسلام عليه، ووعده أن يستغفر له ربه، وعزم على أن يدعو ربه وحده (19:46-48).
وفي سورة الأنعام نراه ينظر إلى كوكب، ثم إلى القمر، ثم إلى الشمس، ويقول عن كل منها «هَٰذَا رَبِّى» حتى يغيب. ومعنى الآيات أن ما يغيب لا يصلح أن يكون ربًّا. ثم أعلن أنه وجّه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما هو من المشركين (6:76-79). ويرى كثير من المفسرين أن هذا كان حوارًا أراد به أن يُري قومه ضعف ما يعبدون.
تحطيم الأصنام
أقسم إبراهيم عليه السلام بالله ليكيدنّ أصنامهم بعد أن يولّوا مدبرين (21:57). فلما خرجوا جعلها قطعًا إلا كبيرًا لهم، لعلهم إليه يرجعون (21:58). وتزيد سورة الصافات أنه سألها: ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟ ثم ضربها بيده اليمنى (37:91-93).
ولما رجع القوم سألوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فقالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، فأُتي به أمام الناس (21:59-61). وحين سألوه أأنت فعلت هذا، قال إن كبيرهم فعله، وطلب منهم أن يسألوا الأصنام إن كانت تنطق (21:63). ويفهم العلماء هذا الجواب على أنه حجة بليغة أراد بها أن يقرّوا هم بالحق من أنفسهم.
فرجعوا إلى أنفسهم لحظة وقال بعضهم لبعض: «إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ»، ثم عادوا إلى عنادهم فقالوا: «لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ» (21:64-65). فسألهم إبراهيم: أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئًا ولا يضركم؟ وقال: «أُفٍّۢ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ»، ثم سألهم: أفلا تعقلون؟ (21:66-67).
النار
لم يجدوا جوابًا إلا القوة. قالوا: «حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓا۟ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ» (21:68). وتذكر سورة الصافات أنهم قالوا: ابنوا له بنيانًا فألقوه في الجحيم (37:97)، وتقول سورة العنكبوت إن جواب قومه لم يكن إلا أن قالوا: اقتلوه أو حرّقوه (29:24).
ثم جاء أمر الله: «قُلْنَا يَٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ» (21:69). فأنجاه الله من النار، وفي ذلك آيات لقوم يؤمنون (29:24). وأرادوا به كيدًا فجعلهم الله الأخسرين (21:70) والأسفلين (37:98).
وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن قول «حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ» قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قيل له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم ذلك إيمانًا (صحيح البخاري 4563).
ثم فارق إبراهيم قومه. وآمن له لوط عليه السلام، وقال إبراهيم إنه مهاجر إلى ربه (29:26). ووهب الله له بعد ذلك إسحاق ويعقوب، وجعل في ذريته النبوة والكتاب (29:27).
ما لم يذكره القرآن
لا يذكر القرآن كيف أُوقدت النار، ولا مقدار عظمها، ولا من ألقى إبراهيم عليه السلام فيها، ولا كم مكث. ولا يسمّي الحاكم ولا يحدد زمن الحادثة ومكانها في هذه الآيات. وتضيف كتب القصص الشعبية مشاهد كثيرة، منها المنجنيق وغيره، لكنها ليست في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة، فلا نعتمد عليها.
الذي يعطينا إياه القرآن هو النتيجة والعبرة: كان لقومه كل أسباب القوة، ومع ذلك فحين أمر الله النار صارت بردًا وسلامًا. والنار لا تحرق إلا بإذن الله.
العبر من هذه القصة
- ادعُ إلى الحق بالحكمة واللين. فقد خاطب إبراهيم أباه برفق مع اختلافه معه.
- اتباع الآباء ليس دليلًا. وقد طرح إبراهيم أسئلة تجعل الناس يفكرون فيما يعبدون (21:52-56، 21:66-67).
- قل «حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ» بتوكل صادق. فهي كلمة إبراهيم في النار وكلمة النبي ﷺ في وقت الخوف.
- نصر الله قد يأتي من حيث لا يتوقع أحد، ولا يصيب الإنسان ضرر إلا بإذنه.
- كيد الباطل لا يدوم. فقد خسر الذين كادوا لإبراهيم (21:70).
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.