أين ذُكرت القصة
ذُكر يونس عليه السلام في عدة سور. ففي سورة الأنبياء (21:87-88) وُصف بأنه «وَذَا ٱلنُّونِ»، أي صاحب الحوت. وفي سورة الصافات (37:139-148) يقول القرآن إنه من المرسلين ويروي ما جرى له. وفي سورة القلم (68:48-50) سُمّي صاحب الحوت. وتتحدث سورة يونس (10:98) عن قومه.
ولم يروِ القرآن قصته في موضع واحد متصل، وإنما تُفهم من هذه الآيات مجتمعة، ونقف عند ما قالته. وقد سُمّيت السورة العاشرة من القرآن باسمه، سورة يونس، وإن كان أكثرها في الحديث عن الرسالة وموقف الأقوام منها.
خروجه من قومه والحوت
تذكر سورة الأنبياء أن يونس عليه السلام ذهب مغاضبًا فظنّ أن لن يقدر الله عليه (21:87). ويشرح المفسرون أن المراد ليس الشك في قدرة الله، وإنما فهموه على أنه لم يتوقع أن يضيّق الله عليه بسبب ذلك. ولا يذكر القرآن سبب غضبه، ويقول بعض المفسرين إنه خرج من قومه ضيقًا بإعراضهم قبل أن يأذن الله له.
وتذكر سورة الصافات أنه أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين، ثم التقمه الحوت وهو مليم (37:140-142). ولا يصف القرآن كيف جرت القرعة ولا ما فعله من كانوا في السفينة.
الدعاء في الظلمات
في بطن الحوت نادى يونس عليه السلام في الظلمات. وقد حكى القرآن كلامه: «لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ» (21:87). فجمع في كلمات قليلة توحيد الله وتسبيحه والإقرار بذنبه.
وكلمة «سُبْحَٰنَكَ» تنزيه لله عن كل نقص، فهي تعني أن ما أصابه ليس ظلمًا من الله، وأن التقصير كان من نفسه. وهكذا جمع الدعاء بين الثناء على الله واللوم للنفس، وهذا من أجمل ما يكون عليه حال التائب.
فاستجاب الله له ونجّاه من الغم، وقال: «وَكَذَٰلِكَ نُۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ» (21:88). وتقول سورة الصافات إنه لولا أنه كان من المسبّحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (37:143-144). ثم نبذه الله بالعراء وهو سقيم، وأنبت عليه شجرة من يقطين (37:145-146).
وتزيد سورة القلم أن نعمة من ربه أدركته فلم يبقَ مذمومًا بالعراء، وأن ربه اجتباه فجعله من الصالحين (68:49-50). وفي الموضع نفسه يأمر الله نبيه ﷺ أن يصبر لحكم ربه وألا يكون كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (68:48).
وروى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له» (جامع الترمذي 3505، وهو حديث صحيح).
القوم الذين آمنوا
أرسل الله يونس عليه السلام إلى مئة ألف أو يزيدون، فآمنوا فمتّعهم الله إلى حين (37:147-148). وتقول سورة يونس إنه لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس. فلما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتّعهم إلى حين (10:98).
وفي هذا تذكير هادئ بأن باب التوبة مفتوح للجماعة كلها، لا للفرد وحده.
ما قاله النبي ﷺ عن يونس وما سكت عنه القرآن
روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم إني خير من يونس» (صحيح البخاري 3412). وفي رواية أخرى عن ابن مسعود قال: «ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» (صحيح البخاري 4603). ويشرح العلماء ذلك على أنه صونٌ لمقام الأنبياء، حتى لا ينتقص أحد من قدر نبي بسبب الحادثة المذكورة في القرآن.
ولا يسمّي القرآن مدينة قوم يونس، ولا يذكر كم لبث في بطن الحوت، ولا يصف الحوت ولا البحر. وما يُذكر في بعض الكتب من اسم للمدينة أو عدد للأيام ليس في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة، فتركناه.
العبر من هذه القصة
- ارجع إلى الله في كل شدة. فقد نادى يونس من الظلمات فاستجاب الله له (21:87-88).
- الاعتراف بالخطأ من علامات الإيمان. لم يلقِ يونس اللوم على غيره، بل قال: إني كنت من الظالمين.
- تسبيح الله في الرخاء يحفظ العبد في الشدة (37:143-144).
- اصبر على الناس وانتظر حكم الله. فقد أُمر النبي ﷺ ألا يكون كصاحب الحوت (68:48).
- لا تقطع رجاءك في التوبة. فقد آمنت قرية كاملة فنجت (10:98).
- عظّم الأنبياء. فقد علّمنا النبي ﷺ ألا يقول أحد إنه خير من يونس (صحيح البخاري 4603).
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.
المصادر
- القرآن 21:87-88 (سورة الأنبياء)
- القرآن 37:139-148 (سورة الصافات)
- القرآن 68:48-50 (سورة القلم)
- القرآن 10:98 (سورة يونس)
- صحيح البخاري 3412
- صحيح البخاري 4603