أحسن القصص

سورة يوسف عليه السلام تروي قصة نبيّ واحد في سياق متصل من أولها إلى آخرها، بينما جاءت أكثر القصص في القرآن موزعة على سور كثيرة. وهي تبدأ بقول الله لنبيه ﷺ: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ» (12:3)، وتقول إن في يوسف وإخوته آيات للسائلين (12:7)، وتنتهي بأن في قصصهم عبرة لأولي الألباب (12:111).

وسنلتزم هنا بما جاء في السورة، وحيث سكتت عن شيء قلنا إنها سكتت.

الرؤيا والجبّ

قصّ يوسف عليه السلام على أبيه يعقوب عليه السلام أنه رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين (12:4). فنصحه يعقوب ألا يخبر إخوته فيكيدوا له، وبشّره بأن ربه سيجتبيه ويعلّمه من تأويل الأحاديث (12:5-6).

قال الإخوة إن يوسف وأخاه أحبّ إلى أبيهم منهم، وتحدثوا عن قتله أو طرحه في أرض بعيدة. ثم أشار أحدهم بإلقائه في غيابة الجبّ ليلتقطه بعض السيارة (12:8-10). وطلبوا من أبيهم أن يرسله معهم، فخاف يعقوب أن يأكله الذئب (12:11-14). فألقوه في الجب، وأوحى الله إلى يوسف أنه سيخبرهم يومًا بما فعلوا وهم لا يشعرون (12:15).

وجاؤوا أباهم عشاءً يبكون، وعلى قميصه دم كذب، وزعموا أن الذئب أكله. فقال يعقوب عليه السلام: «فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ» والله المستعان على ما يصفون (12:16-18).

في مصر وفتنة البيت

جاءت قافلة، فأرسلوا من يستقي لهم، فوجد الغلام. وباعوه بثمن بخس دراهم معدودة، واشتراه رجل من مصر قال لامرأته أن تُكرم مثواه عسى أن ينفعهم (12:19-21). ولما بلغ يوسف عليه السلام أشدّه آتاه الله حكمًا وعلمًا (12:22).

وراودته المرأة التي هو في بيتها، وأغلقت الأبواب، فقال: معاذ الله، وذكّرها بأن زوجها أحسن مثواه (12:23). ويذكر القرآن أنه رأى برهان ربه، وأن الله صرف عنه السوء والفحشاء لأنه من عباده المخلصين (12:24). وتسابقا إلى الباب فوجدا زوجها لدى الباب، وشهد شاهد من أهلها بأن القميص إذا قُدّ من دبر فهي الكاذبة (12:25-28). ولما تحدث نسوة المدينة عن الأمر اعترفت بمراودتها، وقال يوسف إن السجن أحبّ إليه مما يدعونه إليه (12:30-33). فاستجاب الله له وصرف عنه كيدهن (12:34)، ثم سُجن إلى حين (12:35).

السجن ورؤيا الملك وخزائن الأرض

دخل السجن مع يوسف عليه السلام فتيان، فقصّا عليه رؤياهما. وقبل أن يفسّرها دعاهما إلى الله، فذكر أنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله واتبع ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسألهما: أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ (12:36-40). ثم أخبر أحدهما أنه سيسقي ربه خمرًا، والآخر أنه سيُصلب. وطلب من الناجي أن يذكره عند ربه، فأنساه الشيطان ذكر ربه، فلبث يوسف في السجن بضع سنين (12:41-42).

وبعد زمن رأى الملك سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. وتذكّر الذي نجا يوسف فجاء يسأله (12:43-46). فبيّن له يوسف أن سبع سنين زراعة متتابعة، تليها سبع شداد، ثم عام فيه يغاث الناس، ونصح بترك الحصاد في سنبله إلا قليلًا للأكل (12:47-49).

ولما أرسل إليه الملك طلب يوسف أن يُسأل أولًا عن شأن النسوة اللاتي قطّعن أيديهن. فقلن ما علمنا عليه من سوء، وقالت امرأة العزيز إن الحق قد ظهر وإنها هي التي راودته (12:50-52). وقالت إنها لا تبرّئ نفسها، فإن النفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي (12:53). فجعله الملك مكينًا أمينًا لديه، فقال يوسف: «ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ» (12:54-55).

عودة الإخوة والتقاء الأسرة

في سنوات القحط جاء إخوة يوسف عليه السلام يطلبون الطعام، فعرفهم وهم له منكرون (12:58). وطلب منهم أن يأتوه بأخيهم الآخر، وردّ بضاعتهم في رحالهم (12:59-62). ولم يوافق يعقوب عليه السلام على إرساله إلا بعد أن أعطوه موثقًا من الله، وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، مع تأكيده أن الحكم لله وحده (12:63-67). وأسرّ يوسف لأخيه بأنه أخوه، ثم دبّر أن يوجد صواع الملك في رحل أخيه ليبقيه عنده، بمشيئة الله (12:69-76).

فلما بلغ الخبر يعقوب قال مرة أخرى إن الصبر الجميل أولى، ورجا أن يأتيه الله بهم جميعًا (12:83). وتولى عنهم وقال: يا أسفى على يوسف، وابيضّت عيناه من الحزن (12:84). ولما لاموه قال: «إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ» وأعلم من الله ما لا تعلمون (12:86). وأمر بنيه أن يذهبوا فيتحسسوا ولا ييأسوا من روح الله (12:87).

ولما دخلوا على يوسف مرة أخرى قال لهم: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ فعرفوه واعترفوا بخطئهم، فقال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم (12:89-92). ثم أرسل قميصه ليُلقى على وجه أبيه، فعاد بصيرًا (12:93-96). وقدم أهله إلى مصر، وقال يوسف إن هذا تأويل رؤياه من قبل قد جعلها ربه حقًّا. ثم دعا ربه أن يتوفاه مسلمًا ويلحقه بالصالحين (12:99-101).

ما سكت عنه القرآن وما جاء في السنة

لا يسمّي القرآن امرأة العزيز ولا الملك، ولا يذكر عدد الإخوة ولا أسماءهم، ولا يسمّي الأخ الذي بقي مع يوسف، ولا يزيد في مدة السجن على «بِضْعِ سِنِينَ»، ولا يحدد مكان الجبّ. وكثير مما أُضيف في كتب متأخرة لا أصل له في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة، فتركناه. واختلف العلماء هل الآيتان 52 و53 من كلام امرأة العزيز أم من كلام يوسف، وكثير من المفسرين، ومنهم ابن كثير، على أنهما من كلامها كما ذكرنا هنا. ويبيّن العلماء أن السجود المذكور في (12:100) كان تحية وتكريمًا جائزًا في شريعتهم، وليس عبادة ليوسف.

وسُئل النبي ﷺ عن أكرم الناس، فقال إن أكرمهم أتقاهم، ثم قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله» (صحيح البخاري 3374). وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» عليهم السلام (صحيح البخاري 3390). وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال إنه لو لبث في السجن مثل ما لبث يوسف عليه السلام لأجاب الداعي (صحيح البخاري 3372). ويفهم العلماء من ذلك مدحًا لصبر يوسف وثباته في طلب براءته.

العبر من هذه القصة

  • الصبر الذي لا يشكو صاحبه فيه إلى الناس بل إلى الله هو الصبر الجميل. وقد ظل يعقوب راجيًا سنوات طويلة من الحزن (12:18، 12:83، 12:86).
  • احرص على قلبك من الحسد. فقد بدأ أذى الإخوة ليوسف من غيرتهم على محبة أبيهم (12:8).
  • خشية الله تحفظ في الخلوة. قال يوسف «مَعَاذَ ٱللَّهِ» ولم يكن أحد يراه، وسأل الله أن يصرف عنه كيدهن (12:23، 12:33).
  • الدعوة إلى الله تُقدَّم حتى في السجن. فقد تكلم يوسف في التوحيد قبل أن يفسّر الرؤيا (12:37-40).
  • العفو أقوى من الانتقام. قال يوسف: لا تثريب عليكم اليوم (12:92).
  • الله يدبّر الخير بحكمة قد لا نراها. وقال يوسف إن ربه لطيف لما يشاء (12:100).

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر