موضع القصة في القرآن
وردت القصة في سورة الصافات (37:99-113)، بعد الآيات التي تحكي نجاة إبراهيم عليه السلام من النار. فبعد أن ترك قومه قال: «إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ» (37:99)، ثم سأل ربه ولدًا من الصالحين (37:100).
فبشّره الله بغلام حليم (37:101). ولا يسمّي القرآن هذا الغلام في الآيات التي تلي. ويلاحظ القارئ أن القصة لم تأتِ في سياق الأحكام، وإنما جاءت في سياق الثناء على إبراهيم وبيان أن الله يجزي المحسنين.
الرؤيا وجواب الابن
فلما بلغ الغلام أن يسعى مع أبيه، قال له إبراهيم عليه السلام: «فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ» (37:102).
ويذكر العلماء أن رؤيا الأنبياء وحي، ولذلك أخذها إبراهيم على أنها أمر من الله. وانظر إلى أدبه مع ابنه: لم ينفّذ من غير أن يخبره، بل أخبره وسأله عن رأيه. وجاء جواب الابن بإيمان هادئ: افعل ما تؤمر، وستجدني إن شاء الله من الصابرين. فجعل صبره معلّقًا بمشيئة الله.
وتقول الآية «فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ»، أي صار قادرًا على السير والعمل مع أبيه، ولم يحدد القرآن عمره بعدد. وكان إبراهيم قد سأل ربه هذا الولد في دعائه (37:100)، فكان عزيزًا عليه جدًّا، وهذا ما جعل الابتلاء شديدًا.
استسلامهما وفداء الغلام
يقول القرآن إنهما لما أسلما وتلّه للجبين، ناداه الله: يا إبراهيم، «قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ» (37:103-105). ويبيّن الله أنه يجزي المحسنين كذلك، وأن هذا هو البلاء المبين (37:105-106).
ثم قال تعالى: «وَفَدَيْنَٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ» (37:107). فلم يكن المقصود فقد الغلام، وإنما ظهر في هذا الابتلاء تمام التسليم من الأب والابن، ثم رفع الله الشدة بالفداء.
وكلمة «أَسْلَمَا» من مادة الإسلام نفسها، فالقصة تُري معنى الإسلام عمليًّا: أن يسلّم العبد نفسه لأمر الله بثقة بأن حكمته أعظم مما نراه.
وأبقى الله لإبراهيم ذكرًا حسنًا في الآخرين: «سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ»، وعدّه من عباده المؤمنين (37:108-111).
من هو الذبيح؟
لا يصرّح القرآن في هذه الآيات هل الغلام إسماعيل عليه السلام أم إسحاق عليه السلام. وبعد القصة بشّر الله إبراهيم عليه السلام بإسحاق نبيًّا من الصالحين (37:112). وقد اختلف العلماء في ذلك منذ القرون الأولى.
فذهب كثير من العلماء، ومنهم ابن كثير، إلى أنه إسماعيل. ومن أدلتهم أن البشارة بإسحاق جاءت بعد القصة على أنها عطية مستقلة، وأن البشارة بإسحاق جاء معها ذكر يعقوب عليه السلام الذي سيأتي من بعده (11:71)، فلا يناسب ذلك أن يؤمر بذبح إسحاق وهو غلام. وذهب آخرون، ويُروى ذلك عن بعض السلف، إلى أنه إسحاق. وكلا القولين فيه تعظيم لإبراهيم وأسرته، والعبرة لا تتوقف على اسم الذبيح.
عيد الأضحى وما لم يُذكر
يستحضر المسلمون تسليم إبراهيم عليه السلام في أيام عيد الأضحى وموسم الحج. ويعلّمنا القرآن أن الله جعل لكل أمة منسكًا يذكرون فيه اسمه على ما رزقهم (22:34)، وأنه لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم (22:37). وقد ضحّى النبي ﷺ، فروى أنس رضي الله عنه أنه كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين (صحيح البخاري 5564).
ولا يذكر القرآن عمر الابن ولا المكان ولا نوع الفداء ولا ألفاظ ذلك الموقف تفصيلًا. ويقول بعض المفسرين إنه كبش، أما الآية فلم تزد على «بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ». وما تضيفه الروايات الشعبية من مشاهد أخرى ليس من القرآن ولا من الأحاديث الصحيحة.
العبر من هذه القصة
- حقيقة التسليم أن تثق بأن ما يأمر الله به خير، ولو ثقل على القلب.
- شاور إبراهيم ابنه برفق، وأجاب الابن بصبر وأدب. وينمو الإيمان في بيت هذا حاله.
- انتهى الابتلاء برحمة. فالله لا يريد بعباده العسر، ويعوّض من ترك شيئًا لأجله.
- يقول الله إنه يجزي المحسنين (37:110). وقد بقي لإبراهيم ذكر حسن إلى يومنا هذا.
- عيد الأضحى تقوى وإطعام، وليس مجرد ذبح (22:37).
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.