أين وردت القصة وما خلفيتها

معظم الآيات من 121 إلى 175 من سورة آل عمران نزلت في شأن أحد. وهي تبدأ بتذكير النبي ﷺ بالصباح الذي غادر فيه أهله ليُنزل المؤمنين مقاعد للقتال، وتقول إن الله سميع عليم. وتذكر الآية 122 أن طائفتين من المؤمنين كادتا تفشلان، ثم تقول: «وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا».

وجاءت قريش تطلب الثأر لبدر. ففي صحيح البخاري (3039) قال أبو سفيان بعد المعركة إن هذا يوم بيوم بدر، وإن الحرب سجال. وتذكر كتب السيرة أن الغزوة كانت في السنة الثالثة للهجرة، ولم يذكر القرآن تاريخها.

الخطة والرماة

روى البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيح البخاري (3039) أن النبي ﷺ جعل على الرماة، وكانوا خمسين رجلًا، عبد الله بن جبير رضي الله عنه. وقال لهم إن رأوا المسلمين تخطفهم الطير أو رأوهم قد غلبوا القوم: «فَلاَ تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ».

وفي أول الأمر غلب المسلمون وفرّ العدو، فقال بعض الرماة: الغنيمة الغنيمة. وذكّرهم عبد الله بن جبير بأمر النبي ﷺ، لكنهم مضوا. فصُرفت وجوههم ورجعوا منهزمين. وفي هذه الرواية لم يبق مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا وهو يدعو الباقين من ورائهم، وقُتل سبعون من المسلمين.

وتصف الآية 152 من آل عمران هذا الموقف: فقد صدق الله المؤمنين وعده وهم يقتلون عدوهم بإذنه، «حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم» من بعد ما أراهم ما يحبون. ومنهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة. ثم صرفهم عن عدوهم ليبتليهم، ثم قال: «وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ».

إصابة النبي ﷺ

روى أنس بن مالك رضي الله عنه في صحيح مسلم (1791) أن رباعية النبي ﷺ كُسرت يوم أحد وشُجّ رأسه، فجعل يمسح الدم عنه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ». فأنزل الله الآية 128 من آل عمران: ليس لك من الأمر شيء.

وتقول الآية 144: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ»، فلا ينقلب المؤمنون على أعقابهم إن مات أو قُتل. ويذكر بعض المفسرين أنها نزلت حين شاع أنه قُتل.

وفي صحيح البخاري (3039) نادى أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه، ثم سأل عن أبي بكر وعمر. فلما قال إنهم قُتلوا لم يملك عمر رضي الله عنه نفسه فرد عليه. ولما قال: اعلُ هُبَل، أمر النبي ﷺ أصحابه أن يردوا: «قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ»، ثم: «قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ».

بعد الشدة

تذكر الآية 154 أن الله أنزل بعد الغم أمنة نعاسًا يغشى طائفة منهم. وتقول الآية 155: «إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ». وتذكّرهم الآية 165 بأنهم أصابوا من العدو مثلَي ما أصابهم يوم بدر، وتبيّن الآية 166 أن ما أصابهم كان بإذن الله ليعلم المؤمنين.

وواساهم الله بقوله: «وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» (الآية 139). وبيّن أن القرح يمس القوم الآخرين كذلك، وأن الله يداول الأيام بين الناس (الآية 140). وتقول الآية 169: «وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ».

وكان ممن استشهد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، عمّ النبي ﷺ. وروى وحشي، الذي قتله، في صحيح البخاري (4072) كيف قتله، وأنه جاء إلى النبي ﷺ فسأله أن يغيّب وجهه عنه. وبعد وفاة النبي ﷺ خرج وحشي لقتال مسيلمة الكذاب فرماه بحربته، يرجو أن يكافئ بذلك ما فعل بحمزة.

وتثني الآيات 172–174 على الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وحين قيل لهم إن الناس قد جمعوا لهم فاخشوهم زادهم ذلك إيمانًا، «وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ». ويربط بعض المفسرين هذه الآيات بما كان في اليوم التالي لأحد.

ما لم يذكره القرآن والجبل

لم يسمّ القرآن الرماة ولا قائدهم، ولم يذكر أعداد الجيشين ولا التاريخ. وذكر الحديث عبد الله بن جبير، وعدد الرماة وهو خمسون، وقتلى المسلمين وهم سبعون. وبقية التفاصيل في كتب السيرة ولا نكررها هنا.

وقد ذكر القرآن نفسه أن الله عفا عن الذين تولّوا (آل عمران: 152 و155)، فنتكلم عن الصحابة بالاحترام.

وروى أنس رضي الله عنه في صحيح البخاري (4084) أن النبي ﷺ لما طلع له أحد قال: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». وقال في الرواية نفسها: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا».

العبر من هذه القصة

  • أطع الإرشاد الواضح حتى لو بدا أن الأمر قد انتهى. فقد ربطت الآية 152 النكسة بالفشل والتنازع في الأمر والعصيان، وهي نفسها تقول إن الله عفا عنهم.
  • النكسة اختبار وليست النهاية. فقد قال الله في الآيات 140–142 إنه يداول الأيام ليعلم المؤمنين.
  • لا تهن ولا تحزن. فقد واسى الله المؤمنين بقوله إنهم الأعلون إن كانوا مؤمنين (آل عمران: 139).
  • إيماننا بالله لا بشخص. فالآية 144 تذكّر بأن محمدًا رسول، وأن الرسل يخلون من قبله.
  • عند الشدة اقتدِ بالمؤمنين فقل: حسبنا الله ونعم الوكيل (آل عمران: 173).
  • الذين قُتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون (آل عمران: 169)، والله لا يضيع أجر المؤمنين.

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر