موضع القصة في القرآن
ورد الخبران متتابعين في سورة البقرة، الآيتان 259-260. وهما دليلان على أن الله قادر على إحياء ما مات، وهي القدرة نفسها التي سيبعث الله بها الناس يوم القيامة.
والخبران مختلفان، ومن المفيد التمييز بينهما. ففي الأول يُري الله رجلًا آية دون أن يطلب منه ذلك، وفي الثاني يطلب إبراهيم عليه السلام أن يرى كيف يفعل الله ذلك.
الرجل الذي مرّ على قرية خاوية
معنى آية البقرة 259 أن رجلًا مرّ على قرية ساقطة على عروشها فقال: ﴿أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فأماته الله مئة عام ثم بعثه.
وسأله الله: كم لبثت؟ فقال: لبثت يومًا أو بعض يوم. فأخبره الله أنه لبث مئة عام، وأمره أن ينظر في ثلاثة أشياء:
- طعامه وشرابه، فلم يتغيرا مع مرور الزمن.
- حماره، وقد أُمر أن ينظر إليه.
- العظام، كيف ينشزها الله ثم يكسوها لحمًا.
وتقول الآية إن الله جعله آية للناس. فلما تبيّن له قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ﴾. ويفهم المفسرون عمومًا كلامه الأول على أنه تعجب من كيفية عودة الحياة إلى مكان كهذا، فأجابه الله بأن أراه ذلك رأي العين.
إبراهيم والطيور الأربعة
في الآية 260 قال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. فسأله الله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾؟ قال: ﴿بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾. فسؤاله كان عن الكيفية، ولم يكن عن نقص في الإيمان.
فأمره الله أن يأخذ أربعة من الطير وأن يضمّها إليه، ثم يجعل على كل جبل منهن جزءًا، ثم يدعوهن فيأتينه سعيًا. وختم الله الآية بقوله: ﴿وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ﴾.
ولم تذكر الآية نوع الطيور ولا عدد الجبال. وللعلماء أقوال في تفاصيل ما فُعل بالطيور، لكن مدار الآية على ما حدث: أنهن أتينه حين دعاهن.
حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم»
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. والحديث في صحيح البخاري (3372، وبلفظ الشك 4537) وفي صحيح مسلم (151).
ويشرح العلماء أن النبي ﷺ قال ذلك تواضعًا، وأن الجملة تنفي الشك عن إبراهيم. ومعناها أنه لو كان الشك جائزًا على أحد لكنا نحن أحق به من إبراهيم، ونحن لا نشك، فإبراهيم أولى ألا يشك. فطلبه كان أن يرى بعينه ما يؤمن به يقينًا ليطمئن قلبه، وهذا ما تقوله الآية نفسها.
ما لم يذكره القرآن
لم يسمِّ القرآن الرجل الذي مرّ على القرية، ولا القرية نفسها، ولم يذكر هل كان نبيًّا. وقد اقترح بعض المفسرين أسماء له وللقرية، لكنها من كتب التفسير وليست في الآيات ولا في حديث صحيح، فنتركه بلا اسم كما تركه القرآن.
ولم يذكر أيضًا أين كان طلب إبراهيم ولا نوع الطيور التي أخذها. والعبرة لا تتوقف على شيء من هذه التفاصيل.
العبر من هذه القصة
- الله قادر على الإحياء والإماتة. فما يبدو ضائعًا، قرية خاوية كان أو جسدًا عاد ترابًا، ليس بعيدًا عن قدرته.
- إحساسنا بالزمن محدود. ظن الرجل أنه لبث يومًا أو بعض يوم، فأخبره الله أنه لبث مئة عام.
- لا حرج في أن يسأل العبد ربه ما يزيد قلبه طمأنينة. وطلب إبراهيم يدل على أن اليقين يزداد حتى عند من آمن.
- المؤمن يسأل بأدب. قال إبراهيم: «رب»، فأجابه الله وأراه ما طلب.
- تكلم النبي ﷺ بتواضع عن نفسه وعن أمته، فأبان بذلك أن الشك بعيد عن إبراهيم.
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.
المصادر
- القرآن 2:259 (سورة البقرة)
- القرآن 2:260 (سورة البقرة)
- صحيح البخاري 3372
- صحيح البخاري 4537
- صحيح مسلم 151