مواضع القصة في القرآن

جاء ذكر خلق آدم وإباء إبليس في سورة البقرة (30-39)، وسورة الأعراف (11-27)، وسورة الحجر (26-44)، وسورة الإسراء (61-65)، وسورة الكهف (50)، وسورة ص (71-85). وكل موضع يضيف جانبًا لم يذكره غيره، فإذا جُمعت المواضع اتضحت القصة كاملة.

ففي سورة البقرة يخبر الله الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، فيسألون: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك؟ فيجيبهم سبحانه بأنه يعلم ما لا يعلمون. ثم علّم آدم الأسماء كلها، فلما أنبأهم بها قالوا إنهم لا علم لهم إلا ما علّمهم الله (البقرة: 30-33).

أمر السجود لآدم

يفيد معنى الآيات أن الله خلق الإنسان من طين وسوّاه ونفخ فيه من روحه، ثم أمر الملائكة أن يقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (الحجر: 28-31، ص: 71-74).

وتبيّن آية الكهف (50) أن إبليس كان من الجن، وأنه فسق عن أمر ربه. وروت عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أن الملائكة خُلقت من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم (صحيح مسلم 2996). وفسّر العلماء هذا السجود بأنه تكريم لآدم بأمر من الله، فالعبادة لا تكون إلا لله وحده، وإنما سجدت الملائكة امتثالًا لأمره.

الإباء والكبر

سأل الله إبليس عما منعه من السجود إذ أمره، فقال إنه خير من آدم، خلقتَه من نار وخلقتَه من طين (الأعراف: 12). وفي سورة ص يسأله الله: أستكبرتَ أم كنتَ من العالين؟ (ص: 75). وتلخّص آية البقرة (34) الأمر كله: أبى واستكبر وكان من الكافرين.

فلم تكن معصيته مجرد مخالفة، بل كان كبرًا جعل فيه رأيه في مقابل أمر الله الواضح. وقد بيّن النبي ﷺ أن الكبر هو بطر الحق وغمط الناس، أي ردّ الحق واحتقار الناس (صحيح مسلم 91).

فأمره الله بالهبوط من الجنة، إذ لا يكون له أن يتكبر فيها، وأخبره أن عليه اللعنة إلى يوم الدين (الأعراف: 13، الحجر: 34-35).

الإمهال ووعيد الإغواء

طلب إبليس من الله أن يُنظره إلى يوم يُبعثون، فأمهله الله إلى يوم الوقت المعلوم (الحجر: 36-38). وقال إنه بما أغواه الله سيقعد للناس صراط الله المستقيم، ثم يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا يجد أكثرهم شاكرين (الأعراف: 16-17). وأقسم أن يغويهم أجمعين إلا عباد الله المخلَصين (الحجر: 39-40، ص: 82-83).

وجاء جواب الله حاسمًا: «إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ». وتوعّد الله إبليس ومن اتبعه بجهنم (الحجر: 42-43، الإسراء: 63-65). وتذكر آية الإسراء (64) أن الشيطان لا يعد الناس إلا غرورًا، وتختم الآية (65) بقوله تعالى: وكفى بربك وكيلًا.

وأخبر النبي ﷺ أن ابن آدم إذا قرأ آية السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرتُ بالسجود فأبيتُ فلي النار (صحيح مسلم 81).

آدم وزوجه والتوبة

أمر الله آدم عليه السلام أن يسكن هو وزوجه الجنة ويأكلا منها رغدًا حيث شاءا، ونهاهما عن الاقتراب من شجرة بعينها (البقرة: 35، الأعراف: 19). فوسوس لهما الشيطان، وأقسم لهما إنه لهما من الناصحين، وزعم أن ربهما ما نهاهما عن الشجرة إلا أن يكونا ملكين أو يكونا من الخالدين (الأعراف: 20-21). فأكلا منها، وأدركا خطأهما (الأعراف: 22).

فقالا، كما جاء في الآية: «قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ». وتلقّى آدم من ربه كلمات فتاب الله عليه، إنه هو التواب الرحيم (البقرة: 37). ثم أمرهم الله بالهبوط إلى الأرض، ولهم فيها مستقر ومتاع إلى حين، ووعد من تبع هداه ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (البقرة: 36-38).

ثم يحذّر الله بني آدم جميعًا ألا يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة (الأعراف: 27).

ما لم يذكره القرآن

لم يسمِّ القرآن الشجرة ولم يبيّن نوعها، ولم يذكر مدة بقاء آدم في الجنة، ولا وقت هذه الأحداث، ولا كيفية السجود. وأما يوم إمهال إبليس فسمّاه الله الوقت المعلوم، وعلمه عند الله وحده.

وللمفسرين أقوال في هذه التفاصيل، لكنها لم تَرِد في القرآن ولا في حديث صحيح، فالأولى أن نقف عند ما دلّ عليه النص.

العبر من هذه القصة

  • الكبر قد يهلك صاحبه وهو يعرف الحق. فقد كان إبليس يعرف ربه، لكنه منعه من الطاعة أنه رأى نفسه خيرًا من غيره.
  • أمر الله يُمتثل لأنه أمره، ولا يشترط أن نفهم حكمته كاملة قبل أن نطيع.
  • أخطأ آدم وأخطأ إبليس، لكن آدم اعترف بذنبه وطلب المغفرة، وأما إبليس فجادل وتمسك بكبره. فالفارق بينهما هو طريقة كل منهما في مواجهة الخطأ.
  • الشيطان يوسوس ويزيّن، لكنه لا سلطان له على من لجأ إلى الله، فلا يظن الإنسان أنه مُجبَر على الذنب.
  • باب التوبة مفتوح دائمًا. فقد تلقى آدم من ربه كلمات فغفر له، والله هو التواب الرحيم.

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر