موضع القصة

وردت القصة في سورة الكهف، الآيات 9 إلى 26، وسُمّيت السورة بها. وتبدأ بسؤال للنبي ﷺ: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُوا۟ مِنْ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا» ومعنى الآية أن آيات الله في الخلق أعظم من ذلك، وأن قصة الفتية ليست إلا آية من آياته.

واختلف المفسرون في المراد بـ«الرقيم»، فقيل لوح مكتوب وقيل غير ذلك. ولم يحسم القرآن الأمر، وفهم القصة لا يتوقف عليه.

فتية ثبتوا على إيمانهم

وصفهم الله بأنهم فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى (الكهف: 13). وربط على قلوبهم حين قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض، ولن ندعو من دونه إلهًا (الكهف: 14).

وقالوا إن قومهم اتخذوا من دونه آلهة، وتساءلوا لماذا لا يأتون عليها ببرهان بيّن، وقالوا إنه لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا (الكهف: 15). واتفقوا على اعتزال قومهم وما يعبدون من دون الله، وعلى اللجوء إلى الكهف، راجين أن ينشر لهم ربهم من رحمته (الكهف: 16).

ولما أووا إلى الكهف دعوا ربهم، كما في الآية 10: «إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۭ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًۭا»

النوم الطويل

ضرب الله على آذانهم في الكهف سنين عددًا (الكهف: 11). ويصف القرآن رعاية الله لهم، فالشمس تطلع فتميل عن كهفهم ذات اليمين وتغرب فتبتعد عنهم ذات الشمال، وهم في متسع منه، ويقلّبهم الله ذات اليمين وذات الشمال، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد (الكهف: 17-18).

ومن اطّلع عليهم حسبهم أيقاظًا وهم رقود، وولّى منهم فرارًا وامتلأ رعبًا (الكهف: 18).

ثم بعثهم الله ليتبيّن أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدًا (الكهف: 12).

الاستيقاظ والورِق

فلما استيقظوا سأل بعضهم بعضًا: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، ثم قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم (الكهف: 19). وأرسلوا أحدهم إلى المدينة بورقهم هذه ليأتيهم بأزكى طعام، وأوصوه بالتلطف وألا يُشعر بهم أحدًا، لأنهم إن علموا بمكانهم رجموهم أو أعادوهم إلى ملتهم (الكهف: 19-20).

وأطلع الله الناس عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها. وكان الناس يومئذ يتنازعون في أمرهم، فنقل القرآن قولين: فقال بعضهم ابنوا عليهم بنيانًا، وقال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذنّ عليهم مسجدًا (الكهف: 21). والقرآن يحكي ذلك فحسب ولا يزيد عليه.

الخلاف في عددهم و«إن شاء الله»

تذكر الآية 22 أن الناس يقولون: ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون: خمسة سادسهم كلبهم، رجمًا بالغيب، ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم. وأُمر النبي ﷺ أن يقول إن ربه أعلم بعدتهم، وإنه لا يعلمهم إلا قليل، وألا يجادل فيهم إلا مراءً ظاهرًا، وألا يستفتي فيهم أحدًا من هؤلاء الظانّين.

ثم تنتقل الآيات إلى توجيه يتجاوز القصة نفسها: «وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًۭا» وتذكر الآية 25 أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمئة سنين وازدادوا تسعًا، وتعلّمنا الآية 26 أن نقول: الله أعلم بما لبثوا. ويقول بعض المفسرين إن الثلاثمئة والتسع سنوات قمرية، وهي تساوي نحو ثلاثمئة سنة شمسية، لكن الآية لم تصرّح بذلك.

ما لم يذكره القرآن وفضل سورة الكهف في السنة

لم يذكر القرآن أسماء الفتية، ولا اسم مدينتهم أو ملكهم، ولا زمنهم، ولا عددهم على وجه التحديد، ولا مكان الكهف، ولا لون الكلب أو اسمه. وما ورد في كتب أخرى لا يثبت بالقرآن ولا بالسنة الصحيحة.

وقد جاءت أحاديث صحيحة في فضل سورة الكهف. فقال النبي ﷺ: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال» (صحيح مسلم 809). وفي بعض روايات الحديث «من آخر الكهف». وفي الحديث الطويل عن الدجال أرشد النبي ﷺ من أدركه أن يقرأ عليه فواتح سورة الكهف (صحيح مسلم 2937). وروى البراء رضي الله عنه أن رجلًا قرأ سورة الكهف فغشيته سحابة، فقال النبي ﷺ: «تلك السكينة تنزلت بالقرآن» (صحيح البخاري 5011، صحيح مسلم 795).

أما قراءتها يوم الجمعة فقد وردت في رواية عند الحاكم والبيهقي، يصححها بعض أهل العلم ويتكلم آخرون في إسنادها. وهي ليست في صحيح البخاري ولا صحيح مسلم، لذلك لم نذكر لها رقمًا.

العبر من هذه القصة

  • الثبات على الإيمان قد يقتضي مفارقة الباطل. وقد قدّم الفتية دينهم، ولجؤوا إلى الله يسألونه الرحمة والرشد.
  • الله يحفظ من توكل عليه. فقد حفظ الفتية في الكهف حفظًا لا يقدر عليه بشر.
  • في نومهم وبعثهم دليل على قدرة الله على البعث، وعلى أن وعده بالساعة حق.
  • لا ننشغل بتفاصيل سكت عنها الوحي. فقد علّمنا القرآن أن نقول إن الله أعلم بعددهم وبمدة لبثهم.
  • قل «إن شاء الله» إذا تحدثت عن المستقبل. فأمورنا كلها بمشيئة الله، ونذكره إذا نسينا.
  • السورة مصدر حفظ وسكينة لمن يقرؤها ويتمسك بها، كما دلّت الأحاديث الصحيحة.

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر