موضع القصة في القرآن

وردت القصة في سورة الكهف من الآية 83 إلى الآية 98. تبدأ الآيات بأن الناس يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين، وأن الله أمره أن يقول إنه سيتلو عليهم منه ذكرًا.

ثم يخبر الله تعالى أنه مكّن له في الأرض وآتاه من كل شيء سببًا، أي طريقًا يوصله إلى مراده. فهو صاحب سلطان وإمكانات حقيقية، وما يأتي بعد ذلك يبيّن كيف استعملها.

وأما معنى اسمه فيُفهم عادةً أنه «صاحب القرنين»، ولم يذكر القرآن سبب تسميته بذلك.

الرحلتان الأوليان

يقول القرآن إنه اتبع سببًا حتى بلغ مغرب الشمس، فوجدها تغرب في عين حمئة، ووجد عندها قومًا. وهذا وصف لما رآه هو في موقفه ذاك.

خيّره الله بين أن يعذّبهم وبين أن يتخذ فيهم حسنًا، فكان جوابه واضحًا وعادلًا: من ظلم فسوف يعاقبه، ثم يُردّ إلى ربه فيعذّبه عذابًا نُكرًا. ومن آمن وعمل صالحًا فله جزاء الحسنى، وسيقول له من أمره يُسرًا (الكهف: 87-88).

ثم اتبع سببًا آخر حتى بلغ مطلع الشمس، فوجدها تطلع على قوم لم يجعل الله لهم من دونها سترًا. ثم يقول القرآن إن الله أحاط بما لديه خبرًا (الكهف: 90-91). ولم يذكر القرآن أسماء هؤلاء الأقوام ولا تفاصيل بلادهم.

القوم عند السدّين

وفي الرحلة الثالثة بلغ بين جبلين، ووجد من دونهما قومًا لا يكادون يفقهون قولًا (الكهف: 93). ومع ذلك استطاعوا أن يعرضوا عليه مشكلتهم: إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، فعرضوا أن يدفعوا له مالًا على أن يجعل بينهم وبين المفسدين سدًّا.

وهنا أجمل ما في القصة. قال إن ما مكّنه ربه فيه خير من مالهم. لم يطلب مالًا، بل طلب قوّتهم وعونهم، ووعدهم أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج ردمًا (الكهف: 95).

بناء السدّ من الحديد والنحاس

ويصف القرآن العمل خطوة خطوة. طلب منهم زُبَر الحديد، فلما ساوى بين الجبلين قال: انفخوا، حتى إذا جعله نارًا قال: آتوني أفرغ عليه قِطرًا، أي نحاسًا مذابًا (الكهف: 96).

فكانت النتيجة أن يأجوج ومأجوج لم يستطيعوا أن يعلوه، ولم يستطيعوا له نقبًا (الكهف: 97).

وبعد أن أتمّ العمل لم يفتخر بنفسه، بل قال: «قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى ۖ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا» أي إن هذا السدّ رحمة من ربه، فإذا جاء وعد ربه جعله مستويًا بالأرض، ووعد ربه حق.

يأجوج ومأجوج في القرآن والسنة

ذُكر يأجوج ومأجوج أيضًا في سورة الأنبياء. تقول الآيتان 96-97 إنهم إذا فُتحوا انتشروا من كل مرتفع، واقترب الوعد الحق، فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة.

وفي حديث صحيح خبر عن فتحة في السدّ: روت زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلّق بإصبعه الإبهام والتي تليها. فقالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث (صحيح البخاري 3346 و7135، وصحيح مسلم 2880).

وروى أبو هريرة رضي الله عنه خبرًا قريبًا من هذا في فتحة السدّ مع إشارة باليد (صحيح البخاري 3347، وصحيح مسلم 2881). والحديث يدعونا إلى الاعتبار والبعد عن الفساد، وليس فيه تحديد زمن ولا تفاصيل، فلا نزيد عليه.

ما لم يذكره القرآن

لم يبيّن القرآن من هو ذو القرنين، ولا متى عاش، ولا أين، ولا بأي لسان كان يتكلم. ولم يحدد موضع الجبلين ولا موضع السدّ. وقد ذكر العلماء أقوالًا مختلفة في شخصه، واختلفوا هل كان نبيًّا أم ملكًا صالحًا، والقرآن لا يحسم ذلك، ولا يحتاج المسلم إلى اليقين فيه ليستفيد من القصة.

وكذلك لم يصف القرآن هيئة يأجوج ومأجوج ولا عددهم. والأحسن أن نقف حيث وقف القرآن والسنة الصحيحة.

العبر من هذه القصة

  • القوة أمانة. استعمل ذو القرنين ما آتاه الله في العدل ونصرة الضعفاء ومنع الفساد.
  • رفض المال وطلب العون الصادق فقط. الإنسان الصالح لا يُثقل على الضعفاء بما يقدر عليه بنفسه.
  • المؤمن يبذل الجهد الحقيقي من حديد ونار ونحاس، ثم يردّ الفضل إلى ربه: «هذا رحمة من ربي».
  • كل قوة في هذه الدنيا لها نهاية. سيُسوّى السدّ إذا جاء وعد الله، ووعده حق.
  • حيث يسكت القرآن عن الأسماء والأماكن والتواريخ، تكون العبرة أهمّ من التفصيل الغائب.

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر