موضع القصة في القرآن
وردت القصة في سورة القلم من الآية 17 إلى الآية 33. وتبدأ بأن الله ابتلى «هم» كما ابتلى أصحاب الجنة. ويفهم المفسرون عمومًا أن الضمير يعود إلى أهل مكة الذين كذّبوا النبي ﷺ، فتأتي القصة تحذيرًا من أن النعم قد تُسلب.
ولم يذكر القرآن من هم هؤلاء، ولا أين كانت الجنة، ولا نوع ثمارها، ولا عدد أصحابها. ذكر الأحداث والعبرة.
عزم بلا استثناء
ومعنى الآيات أنهم أقسموا ليصرمنّ ثمر الجنة مصبحين، ولا يستثنون (القلم: 17-18). ويبيّن العلماء أن الاستثناء هو قول إن شاء الله، وأنهم لم يقولوها.
ثم تظهر صورة أوضح لما كان في أنفسهم. نادى بعضهم بعضًا صباحًا أن اغدوا على حرثكم، وانطلقوا يتخافتون: لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين (القلم: 21-24). فلم تكن خطتهم واثقة فقط، بل كانت بخلًا أيضًا: أرادوا منع الفقراء من الحصاد.
وغدوا على حرد قادرين (القلم: 25). فكان اعتمادهم كله على قوتهم وخطتهم.
البلاء في الليل
يقول القرآن إنه طاف على الجنة طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم (القلم: 19-20).
وقد عبّر القرآن عنه بـ«طائف من ربك»، أي أمر من عند الله لا يد لأحد فيه. ولم تصف الآيات هذا الطائف. والمهم أنه من الله، وجاء في الليل، وجاء قبل أن ينفّذوا خطتهم. فقد خططوا، لكن قضاء الله سبقهم.
الاكتشاف والتلاوم والتوبة
فلما رأوها قالوا: إنا لضالّون، ثم قالوا: بل نحن محرومون (القلم: 26-27). كان أول ردّ فعلهم دهشة، كأنهم أخطأوا الطريق إلى بستان آخر. ثم فهموا.
ثم تكلم أوسطهم، أي أعدلهم وأمثلهم: ألم أقل لكم لولا تسبّحون؟ (القلم: 28). ولم يفصّل القرآن ما كان قاله لهم من قبل.
وعند ذلك تغيّر حالهم: قالوا «قَالُوا۟ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ» فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (القلم: 30)، وقالوا: يا ويلنا إنا كنا طاغين (القلم: 31). وانتهوا إلى الرجاء: عسى ربنا أن يبدلنا خيرًا منها إنا إلى ربنا راغبون (القلم: 32).
وهكذا انتقلوا من الثقة بالنفس إلى الاعتراف والرجوع. ثم ختم القرآن بالعبرة: «كَذَٰلِكَ ٱلْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ» ولم يذكر القرآن ما أعطاهم الله بعد ذلك، فلا نزيد على النص.
الصلة بقول إن شاء الله
كثيرًا ما تُربط هذه القصة بالتوجيه الوارد في سورة الكهف. ومعنى الآيتين 23-24: ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت، وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدًا.
وليس معنى قول إن شاء الله ترك التخطيط أو العمل. فلم يُلَم أصحاب الجنة على أنهم خططوا لجني زرعهم. وإنما كان الخلل أنهم تكلموا كأن المستقبل ملكهم، وأنهم عزموا على حرمان الفقراء. ولا يقول القرآن إن كل خسارة عقوبة، وإنما يخبرنا بما جرى لهذه الجماعة.
وقول إن شاء الله تذكير للقلب بأن الأمور كلها بيد الله، فلا يغتر الإنسان بقوته ولا ييأس إذا ضاع منه شيء. فنحن نخطط ونبذل الجهد، ونعلم أن النتيجة بيد الله.
العبر من هذه القصة
- لا يتحقق شيء من خططنا إلا بإذن الله، فحسن أن نقول إن شاء الله ونحن نعني ذلك.
- قد تزول النعم فجأة، فلنشكرها ولا نعدّها مضمونة.
- للفقراء نصيب فيما يرزقنا الله. وقد عزم أصحاب الجنة على إبعادهم، ثم اعترفوا بأنهم كانوا ظالمين.
- الصاحب الصالح الذي يذكّرنا بالله رحمة، فلنستمع إليه قبل أن تقع الخسارة.
- إذا أخطأنا فالتوبة والرجوع إلى الله بالرجاء هما الجواب الصحيح، بإخلاص بدل التلاوم.
- ليس كل بلاء عقوبة، ولكنه دائمًا فرصة لمراجعة النفس والرجوع إلى الله.
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.