من هو قارون
يعرّفنا به القرآن في الآية 76 من سورة القصص: إنه كان من قوم موسى، فبغى عليهم. وآتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، أي يثقل حملها على جماعة أقوياء.
ولم يذكر القرآن كيف بغى على قومه، ولا ما كان عمله، ولا من أين جاءه ماله. وإنما ذكر ما يحتاج إليه العبرة: أنه كان صاحب مال عظيم، وأنه ظلم قومه.
نصيحة قومه له
خاطبه قومه بلطف. قالوا له: لا تفرح، إن الله لا يحب الفرحين.
ثم أوصوه بأربع وصايا (القصص: 77):
- اطلب الدار الآخرة فيما آتاك الله.
- ولا تنسَ نصيبك من الدنيا.
- وأحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك.
- ولا تطلب الفساد في الأرض، فإن الله لا يحب المفسدين.
وكانت نصيحة متوازنة ورفيقة، تجمع بين حق الله وحق النفس وحق الناس. لم تأمره بترك ماله ولا بالامتناع عن المباحات، وإنما أمرته أن يستعمل ما عنده في إعداد الآخرة وفي الإحسان إلى الناس.
«إنما أوتيته على علم عندي»
لم يقبل قارون النصيحة، وكان جوابه ما ذكره القرآن: «قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِۦ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرُ جَمْعًۭا ۚ وَلَا يُسْـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ» فنسب الفضل إلى نفسه لا إلى الله.
ويردّ القرآن عليه بسؤال: أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعًا؟ ثم تبيّن الآية أن المجرمين لا يُسألون عن ذنوبهم، ويذكر المفسرون أن المراد أن الله يعلمها. ولم يبيّن القرآن ما العلم الذي زعمه قارون.
ثم خرج على قومه في زينته، فقال الذين يريدون الحياة الدنيا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم (القصص: 79). وهذه صورة واضحة لكيف يخطف بريق المال الأبصار.
جواب أهل العلم
ثم أجابهم فريق آخر وصفهم القرآن بأنهم الذين أوتوا العلم: «وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ»
وفي الحالين تبقى الحقيقة أن العلم الذي لا يورث شكرًا لا ينفع صاحبه. استعمل القرآن لفظ العلم لرجلين مختلفين تمامًا. فقارون جعله سببًا للغرور، وأما المؤمنون فجعلوه نورًا يرون به ما هو القيمة الحقيقية.
نهاية قارون
فخسف الله به وبداره الأرض. ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله، ولم يكن من المنتصرين (القصص: 81).
وفي ذلك درس للناظرين: فمن تمنّى مال قارون بالأمس رأى بعينه كيف تتبدل الأحوال في ساعة. وأصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون في معنى كلامهم: إن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، ولولا أن منّ الله علينا لخسف بنا. ثم ختموا بأنه لا يفلح الكافرون (القصص: 82).
وجاء ذكر قارون في موضعين آخرين باختصار. ففي العنكبوت: 39 ذُكر مع فرعون وهامان بأنهم استكبروا في الأرض مع أن موسى جاءهم بالبيّنات، وفي الآية 40 بيّن الله أن منهم من خسف به الأرض. وفي غافر: 23-24 أُرسل موسى بآيات الله إلى فرعون وهامان وقارون، فقالوا: ساحر كذاب.
ما لم يذكره القرآن
لم يذكر القرآن زمن قارون، ولا مقدار ماله بالتحديد، ولا تفاصيل ظلمه، ولا مكان الخسف، ولا أهله. فنقتصر على ما أخبرنا الله به، والعبرة واضحة: المال فتنة، والكبر والجحود يؤديان إلى الهلاك، والمؤمنون الصابرون كانوا على الحق.
العبر من هذه القصة
- المال نعمة من الله واختبار، وليس دليلًا على أن صاحبه أفضل من غيره.
- من قال إن نجاحه من نفسه فقط نسي الذي أعطاه.
- يعلّمنا الإسلام التوازن: اطلب الآخرة بما عندك، وخذ نصيبك المباح من الدنيا، وأحسن إلى الناس.
- احذر أن تنظر إلى بريق مال غيرك، فثواب الله خير.
- العلم الحقيقي يورث التواضع ويُحسن فهم ما هو القيّم، ولا يُلقّى هذه الرؤية إلا الصابرون.
- قد يأتي نصر الله للمظلومين فجأة، ولا يحمي من الله مال ولا قوة.
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.