موضع القصة
جاء هذا المثل في سورة الكهف، الآيات 32 إلى 44. يأمر الله نبيه ﷺ أن يضرب للناس مثلًا برجلين. وقد سمّاه القرآن مثلًا، ولم يذكر من هما الرجلان ولا متى عاشا.
وقد جاء بعد الآيات التي أمر الله فيها نبيه ﷺ أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وألا تعدو عيناه عنهم يريد زينة الحياة الدنيا (الكهف: 28). ويبيّن المثل كيف تخدع هذه الزينة صاحبها.
الجنتان
جعل الله لأحد الرجلين جنتين من أعناب، وأحاطهما بنخل، وجعل بينهما زرعًا. وكلتا الجنتين أعطت ثمرها ولم تنقص منه شيئًا، وفجّر الله خلالهما نهرًا (الكهف: 32-33).
تبدأ القصة بصورة من الوفرة. وكل ما عند الرجل نعمة من الله، أعطاه إياها ليرى كيف يتصرف فيها.
الافتخار بالمال
كان للرجل ثمر، فقال لصاحبه وهو يحاوره، كما يفيد معنى الآية، إنه أكثر منه مالًا وأعزّ نفرًا (الكهف: 34).
ثم دخل جنته وهو ظالم لنفسه، فقال إنه لا يظن أن تبيد هذه الجنة أبدًا، وما أظن الساعة قائمة، وإن رُدِدتُ إلى ربي لأجدنّ خيرًا منها منقلبًا (الكهف: 35-36). وليس ظلمه أنه يملك جنة، بل أنه نسي الذي أعطاه إياها، وأمن زوالها وأمن الآخرة.
نصيحة الصاحب المؤمن
فأجابه صاحبه وهو يحاوره: «قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًۭا» وقال إن الله هو ربه، ولا يشرك بربه أحدًا (الكهف: 38).
وسأله لماذا لم يقل حين دخل جنته: «وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالًۭا وَوَلَدًۭا» ثم قال إنه عسى ربه أن يؤتيه خيرًا من جنته، ويرسل على جنة صاحبه حسبانًا من السماء فتصبح صعيدًا زلقًا، أو يصبح ماؤها غورًا فلن يستطيع طلبه (الكهف: 39-41).
وفي نصحه لين ووضوح. فلم يفتخر بإيمانه، بل ردّ صاحبه إلى الشكر وإلى ذكر خالقه وإلى حقيقة الآخرة.
الهلاك
وأحيط بثمره، فأصبح يقلّب كفيه حسرة على ما أنفق فيها، وهي خاوية على عروشها، ويقول: يا ليتني لم أشرك بربي أحدًا (الكهف: 42).
ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله، وما كان منتصرًا (الكهف: 43). وتختم الآية 44 المثل بأن الولاية لله الحق، وهو خير ثوابًا وخير عقبًا.
ارتباط المثل بالآيتين 45-46 وما لم يذكره القرآن
وتبيّن الآيتان التاليتان المراد من المثل. فالحياة الدنيا كماء أنزله الله من السماء فاختلط به نبات الأرض ثم أصبح هشيمًا تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدرًا (الكهف: 45). ثم تقول الآية: «ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ أَمَلًۭا»
ولم يذكر القرآن اسم الرجلين ولا مكان الجنتين ولا زمن الحادثة. ولم يبيّن كيف كان الحسبان الذي أُرسل من السماء، وإنما أخبر أن ثمره أُحيط به. وفي بعض الكتب أسماء وقصص مفصلة، لكنها ليست في القرآن ولا في حديث صحيح، فلم نذكرها هنا.
العبر من هذه القصة
- المال أمانة من الله وابتلاء، وهو سبب للشكر لا للتفاخر على الناس.
- قول «ما شاء الله لا قوة إلا بالله» يذكّر القلب بأن كل نعمة من عند الله.
- أخطر ما في موقف الرجل أنه أمِن زوال النعمة ونسي الآخرة. وما نملكه قد يُسلب منا في وقت قصير.
- نصح الصاحب المؤمن بلين ووضوح، وتواضع وهو أقل من صاحبه مالًا.
- الباقيات الصالحات، كالصلاة والصدقة وذكر الله، أبقى من أي جنة ومن أي مال.
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.