أين ورد الحديث
حدّث النبي ﷺ بهذه القصة، ورواها أبو هريرة رضي الله عنه، وهي في صحيح البخاري (3019 و3319) وصحيح مسلم (2241)، وقد رُويت بأكثر من لفظ.
ولم يذكر الحديث اسم النبي ولا قومه ولا المكان، بل قال فقط: «نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ».
القصة كما في الحديث
في الرواية الأولى (صحيح البخاري 3019، وصحيح مسلم 2241) لدغت نملة نبيًّا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأُحرقت، فأوحى الله إليه معنى: أن لدغتك نملة واحدة أحرقتَ أمة من الأمم تسبّح الله؟ وفي لفظ مسلم: «أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ».
وفي الرواية الثانية (صحيح البخاري 3319، وصحيح مسلم 2241) نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بمتاعه فأُخرج من تحتها، ثم أمر ببيت النمل فأُحرق بالنار، فأوحى الله إليه: «فَهَلاَّ نَمْلَةً وَاحِدَةً». ومعناه: لماذا لم تؤاخذ النملة الواحدة التي آذتك؟
وينتهي الحديث عند هذا، ولا يذكر ما قاله النبي أو فعله بعد الوحي.
ما لم يذكره الحديث
لا نعلم من هو هذا النبي ولا في أي زمان كان ولا في أي مكان. ويقول بعض الناس إنه سليمان عليه السلام، ولا دليل في الحديث على ذلك، والأولى ألّا نسمّيه.
ولم يذكر الحديث عدد النمل ولا ما أجاب به النبي، فنقتصر على ما جاء في الروايات.
قصة أخرى: سليمان والنمل في القرآن
يروي القرآن في سورة النمل حادثة مستقلة: جاء سليمان عليه السلام وجنوده إلى «وَادِ ٱلنَّمْلِ»، فقالت نملة لقومها: «يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُوا۟ مَسَٰكِنَكُمْ»، حتى لا يحطمهم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (النمل: 18). فتبسّم سليمان ضاحكًا من قولها، ودعا ربه أن يوفقه لشكر نعمته (النمل: 19).
وهذه قصة أخرى لا يربطها الحديث بقصة النبي المذكور. والذي يجمع بينهما أن القرآن والسنة يذكران النمل مخلوقًا له حياته ومجتمعه. وقد قال الله تعالى إن كل شيء يسبّح بحمده: «وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ»، ولكننا لا نفقه تسبيحهم (الإسراء: 44).
ما قاله العلماء
ذكر شرّاح الحديث أن العتاب كان على قدر العقوبة: فقد آذته نملة واحدة، فأُهلكت قرية كاملة، فيها كثير ممن لم يؤذه، وبالنار. وقال بعضهم إن قتل النمل ربما كان جائزًا في شريعة ذلك النبي، فكان العتاب على إحراق الكثير بسبب الواحد. وهذا فهمهم للنص، والحديث لا يصرّح به.
وفي حديث آخر (صحيح البخاري 3016) رجع النبي ﷺ عن أمر كان قد أصدره بتحريق رجلين، وقال إن النار لا يعذّب بها إلا الله. وللعلماء تفصيل في ما يجوز من أمر الحشرات المؤذية، وهذه الصفحة لا تُفتي فيه.
العبر من هذه القصة
- الرحمة تشمل كل المخلوقات. فحتى الصغير منها من خلق الله، وقد أخبر الحديث أنه يسبّح الله.
- لا ينبغي أن يدفعنا الغضب إلى تجاوز قدر الأذى. فقد آذته نملة واحدة، فبلغ الردّ قرية كاملة.
- التناسب مهم: لم يكن العتاب على النملة التي لدغت، بل على الكثيرات اللواتي لم يفعلن شيئًا.
- عتاب الله لطيف وواضح. فالوحي قصير ويعلّم بلا تطويل.
- ليس من اللازم أن نعرف كل التفاصيل. فقد ترك الحديث النبي بلا اسم، فنأخذ العبرة ولا نخمّن.
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.
المصادر
- صحيح البخاري 3019
- صحيح البخاري 3319
- صحيح مسلم 2241
- القرآن 27:18-19 (سورة النمل)
- القرآن 17:44 (سورة الإسراء)
- صحيح البخاري 3016