موضع القصة في القرآن

وردت القصة في سورة يس، الآيات 13-32. والسورة مكية نزلت والنبي ﷺ يلقى إعراضًا من كثير من قومه. وتبدأ القصة بقوله تعالى: ﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ﴾، أي اذكر لهم مثلًا بأصحاب القرية.

سمّى القرآن القصة مثلًا، وأكثر المفسرين على أنها واقعة حقيقية. والمقصود منها واضح من طريقة عرضها: أن نرى كيف يستقبل الناس من يأتيهم بالنذارة.

المرسلون وجواب القوم

تذكر الآيات أن الله أرسل إلى القرية اثنين فكذّبهما أهلها، فقوّاهما بثالث، وقالوا جميعًا: ﴿إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ (يس: 14).

فردّ القوم بثلاث دعاوى: أنتم بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء، وما أنتم إلا تكذبون (يس: 15). فأجاب المرسلون بهدوء أن ربهم يعلم أنهم مرسلون إليهم، وأنه ليس عليهم إلا البلاغ المبين (يس: 16-17).

ثم قال القوم إنهم تشاءموا بهم، وهددوهم بالرجم وبعذاب أليم إن لم ينتهوا (يس: 18). فكان جواب المرسلين أن شؤمهم معهم، فهم قد ذُكّروا فأعرضوا، وهم قوم مسرفون (يس: 19).

  • بدأ الأمر بالتكذيب ورميهم بالكذب.
  • ثم نسبوا ما يصيبهم من سوء إلى المرسلين وسمّوهم شؤمًا.
  • ثم انتهوا إلى التهديد بالرجم والعذاب.

الرجل الذي جاء يسعى

ثم تقول الآيات: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌۭ يَسْعَىٰ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (يس: 20). جاء حريصًا عليهم ناصحًا لهم.

وحجته بسيطة واضحة: اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون (يس: 21). وما لي لا أعبد الذي خلقني وإليه ترجعون (يس: 22)؟ أأتخذ من دونه آلهة لا تنفعني شفاعتهم ولا ينقذونني إن أرادني الرحمن بضر (يس: 23)؟ إني إذن لفي ضلال مبين (يس: 24). ثم أعلن إيمانه وطلب منهم أن يسمعوا منه (يس: 25).

ولا تذكر الآيات ماذا فعل به قومه، بل تنتقل مباشرة إلى المشهد التالي: قيل له ادخل الجنة. وحتى في تلك اللحظة قال: ﴿يَٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ﴾ (يس: 26-27). ولم يذكر القرآن كيف مات، والأولى ألا نزيد على النص ما ليس فيه.

ما أصاب القوم

يخبر الله تعالى أنه لم ينزل على قوم الرجل من بعده جندًا من السماء، وما كان ليحتاج إلى ذلك (يس: 28). ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ خَٰمِدُونَ﴾ (يس: 29)، أي هامدون لا حراك بهم.

وتُختم الآيات بالتحسّر على العباد، إذ ما أتاهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (يس: 30)، وبتذكيرهم بكثرة القرون التي أهلكها الله قبلهم، وبأن الجميع محضرون بين يديه (يس: 31-32).

ما لم يذكره القرآن

لم يسمِّ القرآن القرية ولا المرسلين الثلاثة ولا الرجل المؤمن، ولم يذكر زمن الحادثة ولا عدد أهل القرية. ويقول بعض المفسرين إن القرية هي أنطاكية، وإن المرسلين من أتباع عيسى عليه السلام، لكن هذا مأخوذ من كتب التفسير، وليس في آية ولا في حديث صحيح، فلا يُجزم به.

وجهل هذه التفاصيل لا يُضعف العبرة، فقد ذكر القرآن ما يلزم: الدعوة، والإعراض، والرجل الذي آمن، وعاقبة القوم.

العبر من هذه القصة

  • الحق لا يُعرف بكثرة أتباعه. كان أهل القرية كثيرين، لكن المرسلين ومعهم مؤمن واحد كانوا على الهدى.
  • لوم الآخرين على ما يصيبنا عادة قديمة. وقد ردّ المرسلون بأن السبب عند القوم أنفسهم، في إعراضهم عن التذكير.
  • قد يأتي الخير من رجل عادي. جاء المؤمن في القصة من أقصى المدينة يسعى، حريصًا على قوم كذّبوه.
  • الناصح الصادق يقدّم الحجة الواضحة: لا أجر يُطلب، والمرسلون مهتدون، والعبادة لمن خلقنا وإليه نرجع.
  • كان أول ما تمنّاه المؤمن بعد دخوله الجنة أن يعلم قومه. فالمؤمن الصادق يحب الخير حتى لمن أساء إليه.
  • عذاب الله لا يحتاج إلى جيش عظيم، فقد كانت صيحة واحدة كافية.

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر