نذر أمها وتسميتها (آل عمران 33-36)
يذكر القرآن أن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (آل عمران 33-34). ومريم من آل عمران.
قالت امرأة عمران في دعائها: ﴿رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. فلما وضعتها أنثى قالت: ربّ إني وضعتها أنثى، والله أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالأنثى، وإني سميتها مريم، وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم.
ولم يذكر القرآن اسم أم مريم، وإنما ذكر أنها امرأة عمران.
نشأتها في كفالة زكريا (آل عمران 37 و44)
قال الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
وتفيد الآية أن الله تقبّلها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا وجعل كفالتها لزكريا عليه السلام. وكان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، فيسألها من أين لها هذا، فتجيب بأنه من عند الله.
وتضيف الآية 44 أن الناس ألقوا أقلامهم لينظروا أيهم يكفل مريم. ولم يزد القرآن على ذلك في بيان كيفية الاقتراع.
بشارة الملائكة (آل عمران 42-47 ومريم 16-21)
قالت الملائكة لمريم إن الله اصطفاها وطهّرها واصطفاها على نساء العالمين، وأمرتها بأن تقنت لربها وتسجد وتركع مع الراكعين.
وفي سورة مريم انفردت عن أهلها في مكان شرقي واتخذت حجابًا. فأرسل الله إليها روحه، وهو ما عبّر عنه بقوله: ﴿رُوحَنَا﴾، فتمثّل لها بشرًا سويًا. ويفسّره المفسرون بجبريل عليه السلام.
فقالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا. فأخبرها بأنه رسول ربها ليهب لها غلامًا زكيًا. فتعجبت: كيف يكون لها غلام ولم يمسسها بشر ولم تكن بغيًا؟ فقال لها إن ربها يقول هو عليّ هيّن، وإنه سيجعله آية للناس ورحمة منه، وكان أمرًا مقضيًا.
وبشّرتها الملائكة بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين، يكلم الناس في المهد وكهلًا ومن الصالحين. فقالت مريم: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾
الولادة تحت النخلة (مريم 22-26)
حملت مريم به فانتبذت به مكانًا قصيًا. فجاءها المخاض إلى جذع النخلة، فقالت: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا.
فناداها من تحتها ألا تحزني، قد جعل ربك تحتك سريًا، وهزّي إليك بجذع النخلة تُساقط عليك رطبًا جنيًا، فكلي واشربي وقرّي عينًا. وقد اختلف المفسرون في المنادي، أهو جبريل أم المولود، والقرآن لم يحدد ذلك.
وأمرها الله أن تقول لمن ترى من البشر: ﴿فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًۭا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّۭا﴾. ولم يذكر القرآن اسم المكان الذي وُلد فيه، وإنما وصفه بأنه قصي.
عودتها إلى قومها وكلام الطفل (مريم 27-34)
أتت به قومها تحمله، فقالوا لها إنها جاءت بأمر عظيم، وذكّروها بأن أباها لم يكن امرأ سوء وأن أمها لم تكن بغيًا.
ولم تردّ عليهم بالكلام، وإنما أشارت إلى الطفل. فتساءلوا كيف يكلمون من كان في المهد صبيًا.
فقال الطفل: ﴿إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ﴾، آتاني الكتاب وجعلني نبيًا، وجعلني مباركًا أينما كنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا، وبرًّا بوالدتي، ولم يجعلني جبارًا شقيًا، والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًا. وختمت الآية 34 بأن هذا هو عيسى ابن مريم، قول الحق الذي فيه يمترون.
مكانتها في القرآن والسنة
وصف الله مريم بأنها أحصنت فرجها، فنفخ فيها من روحه، وصدّقت بكلمات ربها وكتبه، وكانت من القانتين (التحريم 12). وجعلها وابنها آية للعالمين (الأنبياء 91)، وآواهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (المؤمنون 50).
وقال النبي ﷺ إنه كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران (صحيح البخاري 3411، وأخرجه مسلم برقم 2431). وروى علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة (صحيح البخاري 3432، وصحيح مسلم 2430). وقد اختلف العلماء في المراد بقوله «نسائها»، أهو نساء زمانها أم نساء الدنيا كلها.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ما من مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا من مسّه، غير مريم وابنها. ثم قرأ أبو هريرة دعاء أم مريم في سورة آل عمران 36 (صحيح البخاري 3431).
العبر من هذه القصة
- النذر الصادق الخفي قد يتقبّله الله على أحسن وجه، كما كان مع أم مريم.
- الله يرزق عباده من حيث لا يحتسبون، ومن أقبل على عبادته وجد عنايته.
- من ابتُلي بما لا يفهمه الناس رزقه الله الصبر والمخرج، كما كان مع السري والرطب.
- كان صمت مريم وتوكلها على الله أبلغ جوابًا للمتّهمين من كل جدال.
- كان أول ما نطق به عيسى عليه السلام إعلان العبودية لله، وهي لبّ رسالة الأنبياء جميعًا.
- الطهر والعبادة والإيمان ترفع منزلة صاحبها عند الله، كما شهد القرآن والسنة لمريم.
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.
المصادر
- القرآن 3:33-47 (سورة آل عمران)
- القرآن 19:16-34 (سورة مريم)
- القرآن 66:12 (سورة التحريم)
- صحيح البخاري 3431
- صحيح البخاري 3432
- صحيح مسلم 2430