موضع القصة في القرآن

وردت القصة في سورة غافر، وتسمّى أيضًا سورة المؤمن، من الآية 23 إلى 46. وتبدأ بأن الله أرسل موسى بآياته وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون، فقالوا: ساحر كذّاب.

ثم قال فرعون، ومعنى كلامه في الآية 26: دعوني أقتل موسى وليدعُ ربّه، فإني أخاف أن يبدّل دينكم أو أن يُظهر في الأرض الفساد. فأجاب موسى أنه عاذ بربّه وربّكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (الآية 27). وفي هذه اللحظة يتكلم الرجل المؤمن.

الرجل المؤمن يتكلم (الآيتان 28 و29)

وصفه القرآن بأنه «رجل مؤمن من آل فرعون» يكتم إيمانه. ولم يذكر اسمه ولا منصبه ولا عمره.

قال تعالى على لسانه: وَقَالَ رَجُلٌۭ مُّؤْمِنٌۭ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبًۭا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًۭا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ كَذَّابٌۭ

ومعناه: أتقتلون رجلًا لأنه يقول «ربّي الله» وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم؟ فإن يكن كاذبًا فعليه ضرر كذبه، وإن يكن صادقًا أصابكم بعض ما يعدكم به. وإن الله لا يهدي من هو مسرف كذّاب.

حجّته هادئة منصفة. لم يسبّ فرعون، ولم يبدأ بإعلان إيمانه. ثم ذكّرهم (الآية 29) بأن الملك لهم اليوم، وسألهم من ينصرنا من بأس الله إن جاءنا؟ فردّ فرعون بأنه لا يريهم إلا ما يرى، ولا يهديهم إلا سبيل الرشاد.

تحذيراته ودعوته (الآيات 30-44)

ثم خوّفهم مثل يوم الأحزاب، أي ما أصاب الأمم المكذّبة من قبلهم كقوم نوح وعاد وثمود (الآيتان 30 و31). وحذّرهم يوم التناد، يوم تولّون مدبرين ما لكم من الله من عاصم (الآيتان 32 و33).

وذكّرهم بأن يوسف عليه السلام جاءهم من قبل بالبيّنات فبقوا في شك مما جاء به، حتى إذا مات قالوا: لن يبعث الله من بعده رسولًا (الآية 34).

فكان جواب فرعون أن طلب من هامان أن يبني له صرحًا لعلّه يبلغ الأسباب، أسباب السماوات، فيطّلع إلى إله موسى، وإنه ليظنّه كاذبًا (الآيتان 36 و37). ولم يتوقف الرجل، بل قال ما معناه:

  • اتّبعوني أهدكم سبيل الرشاد (الآية 38).
  • هذه الحياة الدنيا متاع، وإن الآخرة هي دار القرار (الآية 39).
  • من عمل سيئة فلا يُجزى إلا مثلها، ومن عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يُرزقون فيها بغير حساب (الآية 40).
  • كيف أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار؟ (الآيات 41-43)

لاحظ أنه استعمل العبارة نفسها التي قالها فرعون «سبيل الرشاد»، وبيّن أين يؤدي السبيل الحق. وختم كلامه بقوله: فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ أي ستذكرون ما أقول لكم، وأسلّم أمري إلى الله، فهو بصير بعباده.

النهاية (الآيتان 45 و46)

قال الله تعالى: فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ ومعناها أن الله حفظه من شرّ ما دبّروا له، وأحاط بآل فرعون أشدّ العذاب.

وتضيف الآية 46 أنهم يُعرضون على النار صباحًا ومساءً، وأنه يوم تقوم الساعة يقال: أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب.

ولم يذكر القرآن كيف حفظه الله، ولا هل بقي في مصر، ولا متى عُرف إيمانه.

ما لم يذكره القرآن

لم يسمِّ القرآن هذا الرجل. وقد ذكرت بعض الكتب المتأخرة له اسمًا، لكنه ليس في القرآن ولا في حديث صحيح، فلا نعتمد عليه.

ولا ينبغي الخلط بينه وبين الرجل المذكور في سورة القصص (الآية 20)، الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ليخبر موسى بأن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، فخرج موسى إلى مدين. وهذا مشهد آخر غير مشهد غافر. ولم يقل القرآن إنهما واحد، فالأسلم أن نتعامل معهما على أنهما شخصان.

وكذلك لم يذكر القرآن أن كلام المؤمن غيّر موقف قوم فرعون. وإنما أخبر أن الله وقاه، وأن المستكبرين نزل بهم العذاب.

العبر من هذه القصة

  • قل الحق بإنصاف. فقد احتجّ المؤمن بما يقبله مجلس فرعون: إن كان موسى كاذبًا فضرر كذبه عليه، وإن كان صادقًا أصابكم بعض ما يعدكم.
  • قد يُخفي المؤمن إيمانه حينًا، لكن قد يأتي موقف يجب فيه أن يتكلم نصرةً لبريء.
  • ذكّر الناس بالآخرة. فقد قابل الرجل بين متاع الدنيا الزائل ودار القرار الباقية.
  • التوكل على الله هو جواب المؤمن الأخير على التهديد: «وأفوّض أمري إلى الله».
  • الحفظ بيد الله. وقف الرجل وحده أمام طاغية، وأخبرنا القرآن أن الله وقاه سيئات ما مكروا.

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر