حديث الثلاثة الذين تكلموا في المهد

روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ». وأتمّ الروايات ما في صحيح البخاري (3436) وصحيح مسلم (2550)، وفيهما عيسى عليه السلام، ثم الصبي الذي في قصة جريج، ثم رضيع في قصة ثالثة. أما روايتا البخاري (1206) و(2482) فتذكران قصة جريج وحدها.

وقد ورد في أحاديث صحيحة أخرى كلام صبي في المهد، كما في قصة الغلام والملك. فحمل بعض العلماء العدد في هذا الحديث على الحالات التي كان النبي ﷺ يتحدث عنها فيه. والله أعلم.

جريج وأمه

كان جريج رجلًا من بني إسرائيل يتعبد في صومعة، ولم تذكر الروايات أنه كان نبيًّا. فجاءته أمه يومًا وهو يصلي فنادته، فقال: «اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاَتِي» ومضى في صلاته. وفي رواية البخاري (2482) أنه قال: أجيبها أو أصلي؟

وفي رواية مسلم أنها عادت إليه أكثر من مرة فوجدته يصلي في كل مرة. فدعت عليه قائلة: اللهم لا تمته حتى يرى وجوه المومسات.

التهمة الباطلة

تحدث بنو إسرائيل عن عبادة جريج، فقالت امرأة معروفة بجمالها وسوء سلوكها: لأفتننّه. فتعرضت له وكلمته فأعرض عنها. ثم ذهبت إلى راعٍ كان يأوي إلى صومعته، فحملت منه وولدت غلامًا، وقالت: هو من جريج.

فجاء الناس وهدموا صومعته وأنزلوه منها وسبّوه وضربوه. فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال له: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي.

فقال الناس: نبني لك صومعتك من ذهب. قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت.

الرضيعان الآخران

الأول هو عيسى عليه السلام. وفي سورة مريم (29-33) أن أمه أشارت إليه حين سألها قومها، فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيًّا؟ فقال، ومعنى كلامه، إنه عبد الله، آتاه الكتاب وجعله نبيًّا، وجعله مباركًا أينما كان، وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيًّا، وجعله بارًّا بأمه، ولم يجعله جبارًا شقيًّا. وفي آل عمران (46) أنه سيكلم الناس في المهد.

أما الرضيع الثالث فكانت أمه ترضعه فمرّ بها راكب حسن الهيئة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله. فترك الثدي وأقبل على الراكب وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم عاد إلى الرضاعة. قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي ارتضاعه بإصبعه في فمه.

ثم مرّوا بجارية يضربونها ويقولون: زنيتِ، سرقتِ، وهي تقول: «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» (صحيح مسلم 2550). فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فترك الثدي وقال: اللهم اجعلني مثلها. وبيّن أن الراكب كان جبارًا، وأن الجارية متهمة بما لم تفعل.

ما قاله العلماء

بحث العلماء الذين شرحوا هذا الحديث، كالنووي وابن حجر، سبب ابتلاء جريج بدعاء أمه. وذهب كثير منهم إلى أن إجابة أمه كانت أولى من الاستمرار في صلاة نافلة، لأنه كان يستطيع العودة إليها بعد ذلك. ويختلفون في تفاصيل المسألة، كالحكم في الصلاة المفروضة.

والحديث يخبرنا بما جرى في بني إسرائيل، وليس فيه حكم مفصّل لكل حالة، ولم يذكر اسم المكان ولا الزمان ولا غير ذلك من أخبار جريج.

العبر من هذه القصة

  • حق الأم عظيم. وقد فهم كثير من العلماء من الحديث أن عبادة التطوع لا ينبغي أن تدفع الإنسان إلى إهمال والديه.
  • الله يحفظ عباده المخلصين. فقد اتُّهم جريج ظلمًا، فأنطق الله رضيعًا ليبرّئه.
  • قد يصيب البلاء العابدين الصالحين. فلما اتُّهم جريج توضأ وصلى ثم تكلم.
  • لا تحكم على الناس بالمظاهر. فالراكب بدا عظيمًا وكان جبارًا، والجارية التي ضُربت كانت بريئة.
  • قل «حسبي الله ونعم الوكيل» إذا ظُلمت، كما قالت الجارية.

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

المصادر