أين وردت القصة؟
روى صهيب الرومي رضي الله عنه أن النبي ﷺ حدّث عن ملك كان فيمن قبلنا. والحديث في صحيح مسلم برقم 3005. وفي سنن الترمذي (3340) رواية أطول فيها بعض الاختلاف في التفاصيل، وقال عنها الترمذي: حسن غريب.
أما القرآن فذكر أصحاب الأخدود في سورة البروج (الآيات 4-8) دون أن يحكي تفاصيل خبرهم. وسنتتبع فيما يلي رواية مسلم خطوة خطوة.
الغلام والساحر والراهب
كان للملك ساحر، فلما كبر قال للملك: ابعث إليّ غلامًا أعلّمه السحر. فبعث إليه غلامًا. وكان في طريق الغلام راهب، فجلس إليه وسمع كلامه فأعجبه. فصار كلما أتى الساحر مرّ بالراهب وجلس عنده، فإذا تأخر ضربه الساحر. فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر.
وبينما هو في طريقه إذا بدابة عظيمة قد حبست الناس ومنعتهم من المرور، فقال: اليوم أعلم أالساحر أفضل أم الراهب؟ فأخذ حجرًا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها فقتلها، ومضى الناس.
فأخبر الراهب بما جرى، فقال له: أي بنيّ، أنت اليوم أفضل مني، وقد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلى، فإن ابتُليت فلا تدلّ عليّ.
«لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله»
وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأمراض. فسمع به رجل من جلساء الملك كان قد عمي، فجاءه بهدايا كثيرة وقال: كل ما ههنا لك إن شفيتني. فقال الغلام: «إِنِّي لاَ أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ»، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن الرجل فشفاه الله.
ثم جلس الرجل عند الملك كعادته، فسأله الملك: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك ربّ غيري؟ قال: ربي وربك الله. فلم يزل الملك يعذّبه حتى دلّ على الغلام. فجيء بالغلام فقال: إنما يشفي الله. فعذّبه الملك حتى دلّ على الراهب.
وطلبوا من الراهب أن يرجع عن دينه فأبى، فشُقّ بالمنشار نصفين. وكذلك جليس الملك أبى أن يرجع فشُقّ نصفين. ثم جاء دور الغلام.
ثلاث محاولات لقتل الغلام
سلّم الملك الغلام إلى نفر من أصحابه، وأمرهم أن يصعدوا به الجبل، فإن رجع عن دينه تركوه وإلا طرحوه من أعلاه. فصعدوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فارتجف بهم الجبل فسقطوا، وعاد الغلام يمشي إلى الملك وقال: كفانيهم الله.
ثم سلّمه إلى جماعة آخرين وأمرهم أن يحملوه في سفينة صغيرة (قرقور) فيتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا ألقوه فيه. فدعا بالدعاء نفسه، فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وعاد الغلام يمشي إلى الملك مرة أخرى.
عندها قال الغلام للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. تجمع الناس في مكان واحد، وتصلبني على جذع، ثم تأخذ سهمًا من كنانتي فتضعه في القوس وتقول: «بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ»، ثم ترميني. ففعل الملك، فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع يده على موضع السهم ومات. فقال الناس: «آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ» ثلاث مرات.
الأخدود والمرأة وطفلها
فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس. فأمر بالأخاديد في مداخل الطرق فحُفرت، وأُوقدت فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحرقوه فيها، أو قيل له: اقتحم. ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها، فتردّدت أن تقع في النار، فقال لها الغلام: «يَا أُمَّهِ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ».
وينتهي الحديث عند هذا الموضع ولا يذكر ما جرى بعده. وقد ذكر أن المرأة كان معها صبي، ثم قال «فقال لها الغلام»، فيُفهم أن ابنها الصغير هو الذي تكلم.
القرآن وما سكت عنه الحديث
قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَٰبُ ٱلْأُخْدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌۭ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌۭ وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. ومعنى الآيات أن أصحاب الأخدود لُعنوا، وهم الذين أوقدوا النار ذات الوقود وجلسوا عندها يشهدون ما يفعلونه بالمؤمنين، وما عابوا عليهم إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد. وتتوعد الآية العاشرة من فتنوا المؤمنين ولم يتوبوا بعذاب جهنم، وتعد الآية الحادية عشرة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار، وذلك الفوز الكبير.
ولا يذكر القرآن أسماء أصحاب الأخدود ولا مكانهم ولا زمانهم ولا عددهم. وحديث مسلم لا يستشهد بالآيات، لكن رواية الترمذي ذكرت آيات سورة البروج مع القصة، ويربط كثير من المفسرين بين الآيات والقصة. ويذكر بعضهم أخبارًا أخرى عن أخدود، ولذلك نقتصر على ما ورد في القرآن والحديث.
ومما لم يرد في الحديث:
- اسم الملك أو الغلام أو الراهب. فالحديث يقول فقط: «كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».
- البلد الذي وقعت فيه الأحداث وزمانها، حتى الجبل جاء بلفظ «جَبَلِ كَذَا وَكَذَا».
- عدد المؤمنين الذين أُلقوا في الأخدود.
العبر من هذه القصة
- الشفاء وكل نعمة من الله وحده. فقد رفض الغلام أن يُنسب إليه شيء، وظل يردّ الأمر إلى الله حتى حين كلّفه ذلك غاليًا.
- الإيمان أغلى من السلامة. فقد ثبت الراهب وجليس الملك والغلام والمؤمنون على دينهم وهم يعلمون الثمن، وسمّى القرآن ما ينتظر المؤمنين الفوز الكبير (البروج: 11).
- للصحبة الصالحة والمعلّم المخلص أثر في حياة الإنسان. فغلام جلس إلى راهب مدة قصيرة فعرف الحق ودلّ عليه غيره.
- يستطيع الطاغية أن يقتل إنسانًا، لكنه لا يستطيع أن يوقف انتشار الحق. فبعد مقتل الغلام آمن الناس بربّه.
- يتعاون المؤمنون على الصبر. فكلمة قصيرة من طفل: «اصبري فإنك على الحق» ثبّتت أمه في أصعب لحظة.
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.
المصادر
- القرآن 85:4-11 (سورة البروج)
- صحيح مسلم 3005
- سنن الترمذي 3340