موضع القصة
القصة كاملة من السنة النبوية، وهي في صحيح البخاري برقم 3364 و3365. وكلتا الروايتين تنتهيان إلى الصحابي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وفيهما جُمل منسوبة صراحة إلى النبي ﷺ سننبّه عليها في موضعها.
أما القرآن الكريم فلا يروي قصة هاجر وزمزم باسميهما، لكنه يذكر أن إبراهيم عليه السلام أسكن بعض ذريته بواد غير ذي زرع عند البيت المحرّم (سورة إبراهيم: 35-41)، ويذكر رفع إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت (سورة البقرة: 125-129).
في الوادي
قال ابن عباس إن إبراهيم عليه السلام جاء بهاجر وابنها إسماعيل عليه السلام وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت تحت شجرة كبيرة. ولم يكن بمكة يومئذ أحد، ولم يكن بها ماء. فترك عندهما جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم انصرف.
فتبعته هاجر وقالت له مرارًا: إلى أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ وهو لا يلتفت إليها. ثم قالت: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيّعنا. وفي صحيح البخاري 3365 قال إنه يتركهم إلى الله، فقالت: رضيت بالله.
وعند الثنية حيث لا يرونه استقبل البيت ورفع يديه ودعا بالدعاء المذكور في سورة إبراهيم: 37، سأل فيه الله أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى ذريته وأن يرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون.
الصفا والمروة وزمزم
أرضعت هاجر ابنها وشربت من الماء حتى نفد، فعطشت وعطش ابنها، ورأته يتلوّى. فلم تطق النظر إليه، وذهبت إلى أقرب جبل إليها وهو الصفا، فقامت عليه تنظر إلى الوادي هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا.
ثم هبطت، فلما بلغت الوادي رفعت طرف ثوبها وسعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزته، ثم أتت المروة فنظرت هل ترى أحدًا فلم تر. ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فذلك سعي الناس بينهما» (صحيح البخاري 3364).
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت لنفسها: صه، ثم أنصتت فسمعته أيضًا، فقالت: قد أسمعتَ، إن كان عندك غواث. فإذا هي بملَك عند موضع زمزم. ففي صحيح البخاري 3364 بحث الملك بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء. وفي صحيح البخاري 3365 سُمّي الملك جبريل.
فجعلت تحوّض الماء وتغرف منه في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف. فقال النبي ﷺ: «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء، لكانت زمزم عينًا معينًا».
فشربت وأرضعت ولدها. وقال لها الملك: لا تخافوا الضَّيعة، فإن ها هنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيّع أهله.
نزول جرهم وبناء البيت
ثم مرّت بهم رفقة من جرهم من طريق كداء، فرأوا طائرًا يحوم، فقالوا إنه ليدور على ماء، وقد عهدوا هذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا رسولًا أو اثنين فوجدوا الماء. فاستأذنوا أم إسماعيل أن ينزلوا عندها، فأذنت لهم، لكنها قالت إنه لا حق لهم في الماء، فقبلوا. وقال النبي ﷺ: إن ذلك أدرك أمّ إسماعيل وهي تحب الأنس.
ونشأ إسماعيل بينهم وتعلّم العربية منهم، فلما بلغ زوّجوه امرأة منهم. وماتت هاجر. ثم جاء إبراهيم عليه السلام فأخبر إسماعيل أن الله أمره أن يبني هناك بيتًا، فأجابه إسماعيل بالطاعة وبأنه سيعينه. فكان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وحين ارتفع البناء قام إبراهيم على الحجر (المقام) ليكمل. وكانا يقولان ما سجّله القرآن أيضًا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (سورة البقرة: 127).
من قصة هاجر إلى الحج والعمرة
يقول الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله، وإن من حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما (سورة البقرة: 158). وبيّن الحديث خلفية ذلك: فالحاجّ يسعى بين الجبلين سبعة أشواط كما سعت هاجر، وقال النبي ﷺ إن هذا هو سعي الناس بينهما.
وزمزم تبقى بركة للزائرين، فقد قال النبي ﷺ عنها: «إنها مباركة، إنها طعام طُعم» (صحيح مسلم 2473).
ولا تذكر الروايات عمر هاجر ولا تاريخ هذه الأحداث ولا المدة بين كل مرحلة وأخرى، ولا تسمّي رئيس جرهم ولا تحدد عدد من جاء منهم. فنقف عند ما ورد.
العبر من هذه القصة
- التوكل على الله ليس سلبيًّا؛ فقد ظلت هاجر تسعى سبع مرات وهي موقنة أن الله لن يضيّعها.
- يأتي فرج الله من حيث لا يحتسب الإنسان؛ فقد ظهر الماء في وادٍ لا ماء فيه.
- سعي الأم من أجل ولدها مكرَّم؛ فقد أخبر النبي ﷺ أن الناس يكررون سعيها عبادة لله.
- يسلّم المؤمن بما أمره الله به، ويسأله أن يحفظ من خلّفهم، كما فعل إبراهيم بدعائه.
- قد تبدأ الأمور العظيمة بدايات صغيرة؛ فأم وحيدة وطفلها كانا بداية العمران حول البيت الحرام.
معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.
المصادر
- صحيح البخاري 3364
- صحيح البخاري 3365
- القرآن 14:35-41 (سورة إبراهيم)
- القرآن 2:125-129 (سورة البقرة)
- القرآن 2:158 (سورة البقرة)
- صحيح مسلم 2473